لعل أهم ما في هذا التحرك التركي إزاء العالم العربي، تعميق إحساس هذه الدول والشعوب بأزماتها السياسية والاجتماعية والتنموية، وحجم التحديات أمامها! فهم يتعاملون مع دولة ناجحة، متحركة الاقتصاد، جرت فيها انتخابات شفافة، ولها في الداخل والخارج أهداف واضحة. حتى "الإسلام السياسي" الذي يحرك تركيا يتصرف بذكاء وهدوء، مقدماً الكثير من التنازلات لمختلف التيارات، وناظراً إلى أولويات لا يأخذها "الإسلام السياسي" داخل العالم العربي في الاعتبار. يتعامل العالم العربي في هذه المرحلة مضطراً مع ثلاثة أطراف هي تركيا وإيران وإسرائيل، وهو يتعامل معها دون أن يعرف كل ما يريد، ودون أن تمكنه درجة نموه وقضاياه الداخلية، من الاستفادة الحقيقية من الفرص المتاحة. "ثلاثة جيران"، علاقاتنا معقدة ملتوية معها في الحرب والسلام وفي الجغرافيا والتاريخ، وفي الثقافة واللغة والمصالح، ولكننا لابد أن نتحرك، في سوريا ومصر والعراق والخليج، إلى الأمام، مهما بدت خطواتنا متعثرة. تركيا مثلاً دولة شرق أوسطية كبرى، ومن أقوى وأهم دول حلف "الناتو"، على رأسها حزب لابد أن يحقق النجاح في الداخل والخارج، لأن وراءه من يحاسبه ويعدُّ أخطاءه، ويحسب أنفاسه. تركيا في تحركها الجديد، بعد أن درست المنطقة والجيران ملياً، ووضع وزير خارجيتها سِفراً في ما يحسن لتركيا أن تفعله وما يتحتم أن تنبذه، دولة تريد أن تستفيد أكبر استفادة من الأوضاع، وهذا حقها وواجبها أمام شعبها، بل وأن تنجح بسرعة، قبل أن تضطرب الأوضاع وتظهر التناقضات وينشط المنافسون. فما صفو إلا بعده كدر! ما الذي نجهله من أوضاع تركيا؟ نجهل في الواقع كل شيء! ما عدا بالطبع ما تنقله وكالات الأنباء وما يترجمه البعض شفقة علينا أو رحمة بنا! فنحن لا نملك في عشرين دولة عربية أقساماً متقدمة في جامعاتنا للدراسات التركية، ولا مراكز أبحاث، ولا تبادل أساتذة أو غدو ورواح لأهل الاختصاص في مختلف الميادين. نحن نجهل عن تركيا أحوال الجامعات وواقع مستوى التعليم، ودنيا الصحافة والإعلام والتأليف والفكر، ومشاكل تركيا الاجتماعية والسكانية والشبابية، وعقليتها السياسية، وأولويات شعبها. إن تركيا جمهورية "علمانية" منذ سبعين سنة، وهذه كلمة لا يكاد يجرؤ مثقف عربي على التلفظ بها، دع عن أن يُبنى دستور البلاد عليها! وهي اليوم دولة علمانية الأساس، إسلامية الرأس! نحن نريد تركيا، كما يبدو، لتوازنات تكتيكية، ربما ضد إسرائيل أو ضد إيران، بينما تركيا تريد الامتداد العربي لتحقيق مصالح استراتيجية (تعزيز المكانة الدولية، تنويع القاعدة الاقتصادية، توسيع الأسواق، النفوذ السياسي...الخ). لا تنظر الدول العربية كلها إلى تركيا، بل وحتى إلى إيران واسرائيل والولايات المتحدة ودول آسيا، من نفس الزاوية. ولا شك أن تركيا لن تستطيع إرضاء سوريا ومصر والعراق والسعودية جميعها، مهما حاولت واجتهدت. ولكن ما الذي يمكن حتى لدول مثل سوريا والعراق أن تحققه من خلال الانفتاح على تركيا، "وتوسيع الخبرة التنموية" و"الأسواق" و"ترسيخ الاستقرار"؟ هذه وحدها ثلاثة منجزات لا يستهان بها إن نجح السوريون والعراقيون فيها. أو انظر إلى كتلة دول الشام، ومنطقة "الهلال الخصيب" التي تضم العراق إلى هذه الدول الشامية الأربع، ألا يمكن أن تكون منطقة زراعية صناعية تجارية استثمارية كبرى تنافس تركيا نفسها؟ أليست محاطة مثلاً بأموال الخليج والأيدي العاملة المحلية والمجاورة والخبرات الإدارية والاستثمارية من كل لون؟ أليست هذه منطقة جديرة بالتنمية، وقابلة لها؟ للأسف، لن تتحقق أي أهداف في هذه المنطقة الثرية الخصبة المعتدلة المناخ الزاخرة بالعقول والخريجين والخريجات. فالدول العربية غارقة في مخاوفها السياسية وحساباتها المحلية، وهي تخشى الطرف الآخر أكثر مما تقض مضاجعها مشاكل التنمية وهواجس البطالة والفقر! لماذا لا تنشأ في كل دول المنطقة، وبخاصة دول الجوار والمجابهة، "حركة استيطان" سورية أردنية فلسطينية لبنانية عراقية سعودية مصرية، وتحيل المنطقة ما بين الفرات والبحر المتوسط ونجد، إلى شبكة ضخمة من المدن والقرى و"المستوطنات" والمزارع والمصانع والطرق الحديثة؟ لماذا نضارب بأموالنا في عقارات الكويت والسعودية والأردن، وتتصاعد أسعار الأراضي إلى عنان السماء، بينما نستطيع بشيء من الذكاء والتنسيق والتخطيط أن نغير وجه بادية العراق والشام والجزيرة، وربما حتى مصر وليبيا؟ لماذا لا ندخل مثلاً مجال الزراعة المتخصصة وتطوير التربة والاستخدامات الجديدة لمشتقات النفط والطاقة الشمسية وعشرات المجالات الأخرى؟ ولماذا تنحبس الشعوب العربية في هذه الأطر التقليدية؟ لماذا يتحدث الأتراك عن تحويل المنطقة إلى ما يشبه الـ"شنغين" الأوروبية، ولا يتحدث العرب إلا عن الصراعات السياسية بين دول المنطقة وطرد الأجانب والمشاريع الراديكالية وتبادل العداء؟ تحدثت ورقتان في لقاء "الاتحاد" بأبوظبي عن السياسة الأميركية ومشاكلها، الأولى للدكتور عبدالله الشايجي، والثانية عن الجار الأفريقي، للأستاذ حلمي الشعراوي، ومن المفارقات أن ما يثيره صعود تركيا من مشاكل للعراق وسوريا في مجال مياه الفرات، يثيره كذلك الجدل حول مياه النيل مع المشاريع الأفريقية القادمة. إن لأفريقيا، كما يعرف الكل، إمكانات وثروات وفرصاً، كالعالم العربي، مهدرة، والكثير من دول تلك القارة من ضحايا التخلف والجفاف والأمراض والانقلابات والصراعات القبلية. فما من دولة أفريقية تقريباً إلا وتتكون من عشرات وربما مئات القبائل والأعراق والجماعات والمجموعات اللغوية، بينها الكثير من التصارع والخلاف. ولكن في أفريقيا كذلك العديد من الدول الديمقراطية التي يتم فيها تداول سلمي للسلطة، ولدى المجموعة الأفريقية "مجلس السلام والأمن الأفريقي"، الذي يمتلك حق التدخل في الأزمات. إلا أن الثقافة السياسية العربية لم تتساءل، فيما قرأتُ، عما تضيفه تجربة أو تجارب أفريقيا للخبرة العربية، حتى في الحالات الناجحة؟ وربما كانت الأسئلة التي لا تلقى جواباً في البلدان العربية لا تجد رداً شافياً في أفريقيا! عنون د. عبدالله الشايجي ورقته بـ"العرب وأميركا... نحو علاقة ربحية متكافئة"، حيث صنف العقد الماضي، 2000-2010، بأنه "الأسوأ والأكثر دموية في العلاقة غير المتكافئة بين العرب والولايات المتحدة، لما شهده من مواجهات على خلفية اعتداءات 11 سبتمبر 2001 والحرب على الإرهاب". وكانت الورقة الأخيرة للدكتور "برهان غليون"، الذي مهد لحديثه بمقدمة تاريخية، فعاد بالحضور إلى ما حدث منذ سقوط الدولة العثمانية في المنطقة العربية، وصعود الحركة القومية وتراجعها، وعرض مشروع الشرق الأوسط من قبل أميركا وتجديده وسياسة الرئيس بوش الثاني. وطالب د. غليون العرب، بسد الفراغ الذي سيتركه انحسار النفوذ الأميركي، وذلك بـ"العمل على توسيع هامش المبادرة العربية المستقلة وتعزيز السياسات الوطنية تجاه الأحلاف والتكتلات الدولية الخارجية"، وطالب بالاعتراف بالمصالح المشتركة، وبناء "منظمة أمن وتعاون دول الشرق الأوسط، أي إيجاد إطار للتنسيق بين العرب والأتراك والإيرانيين والإسرائيليين وذلك بعد "توطين" إسرائيل، وتطبيع وضعها، وتحويلها من دولة مارقة ومتمردة على المنطقة والقوانين الدولية، إلى دولة ديمقراطية فعلاً، بما لا ينعكس بالآثار السلبية على مصالح المنطقة الأمنية والاقتصادية والسياسية". ولكن هل يوافق العرب والإيرانيون على مشروع كهذا؟ وهل توافق تركيا وإسرائيل؟ وهل توافق الدول الغربية على ظهور هيئة دولية كهذه؟