مرعب ما يجري في العراق ليس كافياً ما نشره موقع "ويكيليكس" من وثائق وروايات حول الممارسات الإرهابية الأميركية منذ عام 2003 وشكلت إحراجاً لقوات الاحتلال كما للشخصيات العراقية المتعاونة معه، وللدول الشريكة بشكل مباشر أو غير مباشر في عملية "التغيير"، التي انطلقت تحت عنوان "الشرق الأوسط الجديد" وتعميم الديمقراطية في المنطقة وتأكيد حرية التعبير فيها! طار نظام صدام حسين ولا أسف عليه، ولكن ماذا جرى ويجري حتى الآن؟ وماذا تحقق؟ قتل جماعي بلغ عدد ضحاياه مئات الآلاف من القتلى وملايين من المهجرين إلى الخارج وفرز خطير في الداخل أخذ بعداً مذهبياً. بين الضحايا نساء وأطفال، تعرضوا لأبشع أنواع التعذيب الجسّدي والمعنوي وللاغتصاب! وعلماء تمت تصفيتهم لقتل العقل العراقي، ووقف مسيرة الإنتاج في البلد الغني علمياً. بلد مرهون بكل ثرواته تحت عنوان "النفط مقابل الغذاء". وشركة "هاليبرتون"، التي كان يمثلها ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي السابق أكبر المستفيدين من عقود النفط والاستثمارات في هذا المجال، وهي ارتكبت فضائح لا تُحصى ولا تُعدّ في سرقة أموال هذا القطاع حتى وصلت بفضائحها إلى تلويث شواطئ أميركا في أخطر عملية هددّت الأمن البيئي في أميركا ومحيطها وهي موضع اتهام ورصد ومتابعة منذ مدة من الزمن. وثروة النفط والغاز غير المكتشفة حتى الآن مصادرة هي الأخرى تحت الأرض لاستثمار بعيد المدى ولسداد ديون! فضلاً عن مواقع تم السيطرة عليها من قوى خارجية نافذة استباحت بفعل الواقع العراقي في ظل الفوضى القائمة ولا أحد يراقب أو يحاسب. والبلاد بلا ماء ولا كهرباء. وهي بلاد ما بين النهرين وبلاد النفط والغاز وبالتالي هي بلاد الثروتين! لكن لا شيء منها يظهر، بل تظهر آثار الجوع والفقر والعطش والأوبئة والأمراض والبطالة والأمية بعد أن كانت هذه الظواهر، قد غابت لسنوات طويلة. بلاد تعيش حالة فرز طائفي ومذهبي وعرقي. الفرز واضح بين سُنة وشيعة. والأكراد في حالة حكم ذاتي واستقلال ويشكلون "بيضة القبّان" في أي ترتيب، ويرسخون أمنهم ونظامهم وقواهم في مناطقهم ويريدون ترسيم حدودهم مع "الأقاليم الأخرى". والمسيحيون إلى تهجير، أو يتعرضون للتكفير في الداخل، فتدمّر كنائسهم ومدارسهم ومؤسساتهم ويعيشون حالة رعب بفعل حالات التطرف والحقد والظلامية والإرهاب التي تتخذهم رهائن والتي ولدت من رحم الاحتلال وبفعل الدور الإسرائيلي المكشوف في العراق في مناطق ومجالات مختلفة، بعد تخصيص الأمن وتسليمه إلى شركات أمنية ساهمت في نهب البلاد وثمة مليارات ضاعت ولم تصل التحقيقات بشأنها إلى أي نتيجة حتى الآن ولن تصل لأن المستفيدين هم كبار رموز الاحتلال الأميركي وإدارته المباشرة وكبار المتعاملين معهم. نعم أصبحنا أمام فتنة سُنية شيعية تأخذ طابع التفجيرات التي تستهدف هذه المواقع أو تلك في سياق فعل ورد فعل لطالما كانا منظمين من قبل جهات واحدة لا تريد الأمن والاستقرار في البلاد. وأصبحنا أمام مصير خطير أسود للمسيحيين، وما جرى في كنيسة السريان الكاثوليك، "سيدة النجاة"، في بغداد منذ أيام أمر مرعب للغاية. فقتل المسيحيين داخل الكنيسة بشكل جماعي هز العالم كله وما صدر عن تنظيم "القاعدة" من تهديد مباشر للمسيحيين واعتبارهم هدفاً دائماً أمر أكثر خطورة ترافق مع حملة في العالم على "الطرود المفخخة"، التي أرسلت إلى سفارات دول غربية في عواصم كثيرة، وإلى مؤسسات يهودية كما قال أوباما في أميركا، وانطلاقاً من اليمن "المغلقة" أجواؤه والمحاصر فعلياً بفعل عدم القدرة على مواجهة "الإرهابيين" كما ترافق مع الحملة الإسرائيلية على ما تسميه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة "الإرهاب الإسلامي" في موازاة الحملة على الكنائس في القدس وغيرها من قبل "الإرهابيين الإسرائيليين". 11 تفجيراً في آن واحد استهدفت السكان المدنيين الأبرياء في العراق، وأوقعت مئات القتلى والجرحى، وبقي الخبر المروع لأيام يتصدر وسائل الإعلام العالمية ولا حل. بل مزيد من الخوف والقلق من تكرار هذه العمليات، ولا أحد يعلم حقيقة من يقف وراءها الأعمال. والحبل على الجرّار كما يُقال، والمسلسل مستمر. وقد يتجاوز الحدود العراقية، والعجز العراقي واضح، والعجز العربي أكثر وضوحاً، والخوف العربي كذلك. وأميركا تريد الانسحاب والأمن لنفسها ولقواتها دون إدراك أن ما فعلته ستكون له آثار سلبية ليس على العراقيين فحسب، بل على المنطقة كلها، وعليها تحديداً وهي لا تقيم وزناً واعتباراً لأمن العراق والمنطقة التي لا يعنيها شيء فيها إلا أمن إسرائيل وتقدمها وتفوقها ونفوذها، وكأن الذين دعوا إلى حرب صليبية جديدة أيام جورج بوش أو إلى حرب حضارات باتوا يعيشون آثارها المدمّرة اليوم في ظل "نظام الفوضى الجديد" في العالم، ونظام "الشرق الأوسط الجديد"، الذي لم يتحقق شيء منه، الذي وعدوا أنفسهم به. ومن الديمقراطية وحرية التعبير التي رفعوها شعاراً وهدفاً كاذباً، إلا الفوضى والخراب والدمار. كنا أمام هدف حرية التعبير في كل مكان. فها نحن أمام حرية التفجير في كل مكان وآن! هذه هي نتائج الاحتلال الأميركي. أميركا تريد تدفيعنا ثمن احتلالاتها ومغامراتها، إذا نجحت، وإذا فشلت، انطلاقاً من البحث عن مصالحها السياسية والأمنية والاقتصادية.