كنت خارج الدولة أثناء انعقاد اجتماع الدوليين (مجلس محافظي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في 23-24 سبتمبر الماضي)... كان من الطبيعي لمجرد التقائي ببعض العرب أن يبدوا لي استغرابهم من وجود وفد إسرائيلي في الإمارات ورفع علم إسرائيل لأول مرة على أرض الإمارات... بالنسبة لي ولكل من هو على اطلاع باجتماعات صندوق النقد الدولي وأعضائه وشروط انعقاد تلك الاجتماعات في أي بلد فإن الأمر لم يكن مستغربا، بل كان من المتوقع أن يكون هناك وفد إسرائيلي في هذه الاجتماعات بصفتها عضواً ·
كمواطنين بالتأكيد إننا لم نرض عن الوجود الإسرائيلي على أرض الإمارات لسببين: الأول أن إسرائيل تبقى العدو الذي تحاربه الأمة العربية بأسرها، والسبب الآخر هو لقناعتنــــا الراســـــخة بــأن الإســـــرائيليين لا يدخلون بلدا إلا ويفسدونه بعد أن يمصوا دم أهله ولا يخرجون إلا بعد أن يتركوا البلد خرابا، وكثير من الدول الأوروبية عانت من ذلك وإن كانت لا تستطيع الكلام عن ذلك.
ككل العرب لم نكن سعداء بوجود الإسرائيليين بيننا، ولكن يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا، ففي مقابل ذلك كانت سعادتنا كبيرة بعد انتهاء الاجتماع، وذلك بسبب النجاح الذي حققه وهو يعقد لأول مرة في دولة عربية·· ولا أعتقد أنه كان من المنطق ألا تستضيف الإمارات أو أية دولة أخرى لديها الاستعداد والقدرة والإمكانيات على استضافة مثل هذا الاجتماع وهذا الحدث العالمي الذي تشارك فيه 182 دولة صديقة وترفض استضافة الاجتماع لأن فيه دولة عدوة واحدة هي إسرائيل·مقابل عشرات الأصدقاء·
الملفت أن البعض ركز على هذا الأمر، ولم يسألني أحد كيف نجحت الإمارات في تنظيم هذا الاجتماع الذي يعتبر الأهم والأخطر في العالم، وكيف تمكنت دولة صغيرة كالإمارات من إبهار العالم بتنظيمها الرائع ودرجتي الأمن والأمان العاليتين اللتين تميزت بهما دون أن تحدث أية اضطرابات· وخصوصا أن الفكرة السائدة لدى الغرب أن منطقة الشرق الأوسط غير آمنة، بل هي منطقة خطرة لا يمكن عقد أية اجتماعات مهمة فيها بسبب التوترات التي تعاني منها سواء في فلسطين أو العراق مؤخراً أو حتى أفغانستان··
موقف الإمارات من إسرائيل واضح وضوح الشمس والمزايدة في هذا الأمر مرفوضة تماما· أما أولئك الذين يعتقدون أنهم ينجحون في الاصطياد في الماء العكر ويبحثون عن ثغرات للتمييز بين موقف الإمارات وموقف دبي من إسرائيل فهؤلاء يضيعون وقتهم بلا فائدة·· فموقف جميع الإمارات من إسرائيل واحد ولا نقاش فيه· وسمو الشيخ محمد بن راشد أكد أن الإمارات لن تنفتح على إسرائيل قبل توقيع اتفاق سلام، أما وجود إسرائيل فتحتمه ظروف استضافة دبي للاجتماع·
من يعيشون وراء الحدود ينتقدون ويعتقدون أنهم لا يخطئون وأنهم هم الملائكة ولكنهم لا يدركون أنهم ملائكة السلبية والفشل · أما الذين يعملون في دبي وينفذون خطط تطوير هذه المدينة فليسوا ملائكة، بل هم بشر مثلنا يصيبون ويخطئون ولكنهم أفضل منا لأنهم يعملون وأخطاؤهم نتيجة عملهم، أما المتربصون والمنتقدون فيخطئون أيضا، ولكن أخطاءهم نتيجة سلبيتهم وتواكلهم وعدم رغبتهم في العمل·
ليت من ينتقدون يستفيدون من تجربة دبي، وبدلا من أن يلعنوا الظلام كان من الأفضل لهم لو حاولوا أن يضيئوا شمعة ويفعلوا كما تفعل دبي ويتلافوا السلبيات التي يرون أن دبي وقعت فيها وسنصفق لهم كما نصفق لدبي لأنهم قاموا بعمل متميز·
دبي ليست مدينة نفطية -كما يحب البعض أن يطلق على دول الخليج وإماراتها- وعندما أدركت أنها لا يمكن أن تعتمد على النفط طويلا أخذت تبحث لنفسها عن مصادر دخل أخرى كي تحافظ على وجودها ومكانتها، فعثرت على ضالتها في التجارة وعالم الأعمال والمال والإعلام والعقار، وقامت بتنفيذ بعض المشاريع الجريئة التي من المستحيل أن تغامر كثير من العواصم والمدن العربية بالقيام بها، ولكن دبي قامت بها فعلا ونجحت واليوم تجني ثمار ما قامت به. وبالتأكيد أن دبي ليست المدينة الفاضلة ولكنها اليوم المدينة العربية الأفضل بين جميع المدن.
أما بالنسبة للإسرائيليين فليس هناك بلد لم يدخلوه -إن لم يكن بجوازاتهم الإسرائيلية فبجوازات سفر أوروبية وأميركية - أما الدول التي لها علاقة بإسرائيل فليست هي التي رفعت علم إسرائيل ليوم أو يومين، ولا تلك التي تلتزم مع إسرائيل بالسلام، ولا الدول المطبعة ولا تلك التي لإسرائيل مكاتب تمثيل تجاري فيها، فهناك دول تلعن إسرائيل ليل نهار وعلاقاتها الخفية بها قائمة وربما أقوى من غيرها!!!
لا أقول هذا الكلام لأبرر أية علاقة مع إسرائيل، ولكن لمن لا يعرف الحقيقة أن يعرفها، أما من خرجوا من قاعة اجتماعات الدوليين أثناء إلقاء الوفد الإسرائيلي كلمته··· فلاشك أنهم استمعوا إلى الكلمة بشكل ممتاز من خلال الشاشات المنتشرة في كل مكان··· وهم بذلك حققوا هدفهم من هذه الحركة، فقد أرادوا أن يصفق لهم بعض العرب ويصفوهم بأنهم أصحاب موقف ثابت وقد تم لهم ما أرادوا فهنيئا لهم ما حصلوا عليه.
من لم ينبهر بدبي وأبوظبي حتى اليوم فهو لم يصل إلى