لكل دين أتباع يؤمنون به ويلتزمون بتعاليمه ويعبرون عن أحسن ما فيه من فضيلة وسلوك بحيث تنعكس نظرة الآخرين إليهم على دينهم فيقدر هذا الدين ويحترم أتباعه لسمو تعاليمه ونبل توجيهاته. ولكن بعض الأتباع يصبحون عبئاً على دينهم نتيجة لأقوال وأفعال تصدر عنهم تخالف الفطرة السليمة التي فطر الله سبحانه وتعالى الناس عليها، فيسعون لإلزام الناس بها واعتبارها جزءاً ملزماً من الدين وهي في الحقيقة خلاف ذلك. ولا يحتاج الإنسان إلى علم غزير لكي يكوِّن رأياً أو موقفاً من بعض القضايا التي تمس حياة عامة الناس، والتي تعم بها البلوى كما يقال، لاشتراك معظم الناس في الارتباط بها. ويزداد الأمر صعوبة وتعقيداً إذا صدرت مثل هذه الآراء والمواقف من علماء لهم مكانتهم واحترامهم في مجتمعاتهم، بحيث تصبح مخالفة آرائهم وكأنها وقوع في الحرام وارتكاب للمحظور. وهم على جلالة قدرهم ربما نظروا إلى الأمر من زاوية محدودة، وضيّقوا واسعاً على الأمة، واستخدموا قاعدة سد الذرائع لرفع الحرج عن أنفسهم ولكنهم ضاعفوا الحرج الواقع على الأمة، بل إنهم ربما خضعوا وأخضعوا الأمة لأمور توقع ضرراً على شريحة كبيرة من الناس وليس مجرد حرج فقط. وغني عن البيان أن حاجة الإنسان، سواء كان رجلاً أو امرأة، إلى وسيلة انتقال تعد من الضروريات لأن الانتقال وسيلة لاستمرار الحياة الإنسانية ونموها، ولا يمكن أن يقضي الإنسان الكثير من حاجاته بدون وجود وسيلة نقل، وعلى مر العصور استخدم الرجل والمرأة المتاح من وسائل النقل كالخيول والبغال والجمال والحمير، ولم نطلع على فتوى أو رأي لعلمائنا الأفاضل على مدار العصور يحرم على المرأة المسلمة استخدام أي منها في الانتقال، أو الاستفادة منها في قضاء حاجاتها. والمفارقة أن الذين يحرمون على المرأة قيادة السيارة لا يجدون غضاضة في ركوبها حماراً أو جملاً لقضاء احتياجاتها. ولنا أن نتصور طبيبة تريد أن تذهب إلى عملها بالمستشفى فيقال لها لا يجوز لك أن تقودي سيارة فهذا حرام وسينالك منه إثم عظيم ولكن بمقدورك أن تشتري دابة، سواء كانت حماراً أو بغلًا، وتستخدميها للذهاب إلى عملك. وكذلك الأمر بالنسبة إلى فتوى "الكاشير" فالمرأة يمكنها أن تجلس في إحدى الساحات العامة وتفرش بسطتها وتبيع ما لديها لعامة الناس وهو عمل تؤجر عليه لأنها تكف نفسها عن السؤال، وتعيل نفسها وأهلها، ولكن أن تعمل "كاشيرة" خلف حاجز، وبحضور العشرات من الناس، فهذا "حرام" وفيه إثم عظيم عليها وعلى القائمين على الشركة التي وظفتها! كم نناقض أنفسنا، فعندما نتكلم عن نظرة الإسلام للمرأة وإنصافه لها نرى أدلة من الكتاب والسنة وممارسات الصحابة مختلفة تماماً عن بعض "الفتاوى" التي تصدر لتعالج أمور حياتنا الحالية!