بجوارنا دول وقوى إقليمية وعالمية تؤثر سياساتها فينا على الدوام، بل وترسم جوانب من مستقبلنا في أحيان كثيرة! فكيف يتعامل العالم العربي مع دول وقوى الجوار هذه؟ ماذا تريد دول مثل إيران وتركيا وإسرائيل من البلدان العربية؟ وما هي الأولويات الأوروبية والأميركية في المنطقة؟ وما الذي يمكن اقتباسه من تجارب آسيا وأفريقيا؟ وكيف يمكن لنا أن نصل إلى حل لمشكلة الشرق الأوسط ذات يوم، فنحق الحق ونحقق السلام؟ دعت صحيفة "الاتحاد" العديد من الكتاب والباحثين ما بين 20-21 أكتوبر 2010 لتسليط الضوء على دول الجوار هذه، فكان لقاء زاخراً بالمعلومات والأفكار التي تجلت في الأوراق المقدمة وفي الردود والمداخلات التي تلت كل محاضرة. تناول د. رضوان السيد العلاقة الإيرانية- العربية في ورقة ينطق عنوانها بما فيها، "وقائع العلاقات المتوترة ومآلاتها"، وهي تغطي تطورات الشد والجذب في الجوار العربي - الإيراني. وقد درس الباحث الوضع في الداخل، ثم طغيان السياسات الخارجية على الداخلية بعد عام 2001، في تفكير وتصرف رجالات الجمهورية الإسلامية، ومرافقة ذلك لعهد "المحافظين الجدد" في السياسة الأميركية، وما جرى من أحداث في نيويورك وأفغانستان، والعراق. فقد تفاقمت حوادث القتل والعنف في العراق، واغتيال الحريري في لبنان، ووقعت حرب "حزب الله" مع إسرائيل، وقيام "حماس" بدعم من إيران وسوريا بالاستيلاء على غزة عام 2007، وتردت العلاقات بين إيران والسعودية وبعض دول مجلس التعاون. ثم يصل د. السيد في ورقته إلى نتيجة متشائمة، يقول فيها: "ما حدث بالأمس، وما يحدث اليوم، يدل على أن تحسن العلاقات العربية- الإيرانية، ما يزال في ذمة المستقبل البعيد، رغم اتفاق وزيري النقل الإيراني والمصري على تبادل الرحلات الجوية بين البلدين بعد انقطاع استمر منذ عام 1980". لسوء الحظ، كان التوتر والانقطاع طابع هذه العلاقات لسنوات وعقود، فما أن تتجه إيران يميناً في ظل الشاه، حتى يتجه العرب يساراً في ظل المرحلة الثورية القومية الناصرية، وما أن يميل الإيرانيون نحو الثورية والراديكالية حتى يجنح العرب نحو الاستقرار ونبذ الثورة والدعوة إلى السلام مع إسرائيل! وما أن ترفع إيران رايات الصداقة مع الولايات المتحدة والغرب، حتى يبني العرب سياساتهم الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية على معاداة الغرب وأميركا لنحو عشرين سنة، ثم تثور إيران عام 1979، وتنفتح على العرب والفلسطينيين و"دول عدم الانحياز"، لتفاجأ بالحرب العراقية-الإيرانية، وغزو صدام للكويت. وعلى امتداد سنوات الصراع العربي-الإسرائيلي 1948-1973، كانت علاقات نظام الشاه جيدة مع إسرائيل، فلما اختطفت إيران رايات الممانعة بعد ثورتها، كانت طبيعة القضية الفلسطينية قد تغيرت بسبب اتفاقية كامب ديفيد، ثم ازدادت تغيراً بعد اتفاقيات أوسلو وحرب تحرير الكويت. امتصت تفاصيل الأحداث السياسية ومشاكل إيران الداخلية والخارجية معظم البحث الذي كتبه د. رضوان السيد، ولم يتسع المجال لدراسة مجالات أخرى وبخاصة مستقبل العلاقات الثنائية. وكان هذا حظ إيران والعالم العربي دوماً في العصر الحديث، حين لا تزال الأزمات والنزاعات تطغى على ملامح العلاقة بينهما في الجوانب الأخرى. تحدث د. وحيد عبدالمجيد، عن علاقة العالم العربي بجار آخر لا يقل التصاقاً بالتاريخ والمصير، تركيا. وشمل بحديثه كتاب "العمق الاستراتيجي" الذي أصدره أحمد داود أوغلو، مهندس العلاقات التركية الخارجية، وداعية البحث عن السبل اللازمة لبناء مستقبل أفضل في الشرق الأوسط، وبخاصة "إعادة تأسيس العلاقات العربية -التركية على أرضية عقلانية تأخذ في الاعتبار الأوضاع العالمية والإقليمية الجديدة في فترة تشهد تحولات جادة في تركيا والدول العربية". وفي هذا الكتاب، يقول الباحث، "عالج أوغلو قضية العلاقات مع سوريا وفق رؤية جديدة ساهمت بعد ذلك في جعل هذا البلد العربي محوراً لسياسة تركيا الجديدة في المنطقة، إذ دعا عام 2001، إلى فهم ما أسماه الوضع الجديد في هذا البلد بعد حافظ الأسد، ولم يكن أوغلو مسؤولاً في ذلك الوقت عن السياسة الخارجية التركية". ولكن هل تزدهر العلاقات الاقتصادية بين بلدان تتشابه في الهيكل الصناعي وتنتج مصنوعات متماثلة؟ تحاول تركيا وسوريا التغلب على هذه الصعوبة عبر إقامة شراكة في بعض الصناعات مثل النسيج ومكونات السيارات. ولم يكن لهذا التعاون السوري - التركي أن يتقدم لولا "التنسيق الأمني" بين البلدين عام 1998. ويزداد حضور تركيا في العراق كذلك، يستطرد د. عبدالمجيد، "إذ تسعى تركيا إلى بناء علاقة استراتيجية معه على المستوى الاقتصادي، وإسدال الستار على مرحلة كان اقتحام حدود هذا البلد العربي والتوغل في أرضه أمراً روتينياً. وهذا هو القاسم المشترك في 44 اتفاقاً وبروتوكولاً ومذكرة تفاهم في مجالات التجارة والطاقة والمياه، وقعها رئيسا وزراء البلدين في بغداد في 15 أكتوبر 2009". وربما وقفت اليوم بعض الصعوبات أمام تطوير العلاقات المصرية- التركية، مقارنة بسوريا التي صارت محور سياستها العربية في المرحلة الراهنة. بل هناك شواهد، كما جاء في ورقة د. عبدالمجيد، (على أن القاهرة كانت قلقة في الفترة الماضية من علاقات وروابط اقتصادية بين بعض الشركات المملوكة لأعضاء في جماعة "الإخوان المسلمين" وأخرى تابعة لبعض قادة وأعضاء "حزب العدالة والتنمية". وقد شملت المحاكمة العسكرية التي أجريت عام 2007، بعض مستثمري "الإخوان المسلمين" في مصر ممن أقاموا شراكات اقتصادية مع أتراك، ولكن ليس لهذا السبب بطبيعة الحال). ويضيف الباحث، أن فرصة تطوير العلاقات المصرية- التركية قد وقعت ضحية لثلاثة مؤثرات: بطء الدبلوماسية المصرية، افتقاد مصر إلى رؤية واضحة لمستقبل المنطقة، وحاجة تركيا إلى اتخاذ بعض المواقف السياسية ضد إسرائيل لتعزيز مصداقيتها لدى الشعوب العربية بينما أثارت المواقف التركية نوعاً من التوجس في القاهرة، وخصوصاً تلك التي بدت فيها تركيا منحازة إلى حركة "حماس". غير أن حجم العلاقات التجارية التركية، رغم هذا، قد تضاعف مع مصر من مليار دولار عام 2006 إلى مليارين عام 2009، ومع المملكة العربية السعودية من ثلاثة مليارات و300 مليون في نفس السنة، إلى نحو ستة مليارات عام 2009. إن بعض المخاوف المصرية والسعودية مبررة بلا شك، فلا أحد يدرك حتى الآن، حقيقة وعمق علاقات "حزب العدالة والتنمية" بمصالح واستثمارات الإسلام السياسي التركي، ومن خلال ذلك بالجماعات الإسلامية الخليجية والدولية. وليس من المفهوم كيف يمكن لدولة عضو في حلف "الناتو" وذات علاقة قوية بإسرائيل دبلوماسية وعسكرية وغيرها، أن تدخل في علاقات صداقة مع حماس وعلاقات استراتيجية مع سوريا، فضلاً عن التقارب الكبير مع إيران! كشف منتدى "الاتحاد" في أبوظبي عن حيرة الدول العربية شعوباً وأنظمة ومخططين، بسبب كل هذه التحركات الجارية في سياسات "دول الجوار"، وبعضها بالطبع من الجوار الجغرافي والبعض الآخر من الجوار السياسي أو العسكري. ونحن نشير بهذا المعنى إلى تركيا وإيران والهند واسرائيل وأفريقيا والولايات المتحدة وأوروبا، فمعظم هذه الدول تعرف الكثير مما تريد وما لا تريد. إن العالم العربي يجد نفسه اليوم بين ملف نووي إيراني متطاير الشرر، وزحف سلمي تركي شديد الضغط على جوانب هشة من الواقع العربي، وتعقيدات موحية بكل المشاعر السلبية في مباحثات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وغموض في الموقف الأميركي بين العراق وأفغانستان و"تسريبات ويكيليكس" ومشاكل الانتخابات الداخلية.