من بين أكثر التطورات الخاصة بحملة 2010 الانتخابية لفتاً للأنظار، ذلك الخاص بالصمت المطبق حول قضايا الحرب والسلام. فالرئيس أوباما قلما أثار هذا الموضوع في مسار الحملة الانتخابية الحالية، ومنتقدوه من أعضاء "حفلات الشاي" لا يمتلكون سياسة خارجية واضحة المعالم. أما الأميركيون، وعند قياس درجة استجابتهم للقضايا العامة، فقد تبين أن ما يقل عن عشرة في المئة منهم فقط هم الذين يعتبرون حربي العراق وأفغانستان همهم الرئيس. فعندما وجهت مؤسسة "جالوب" لاستطلاعات الرأي سؤالاً مفتوحاً لعينة منتقاة من الناخبين حول أولوياتهم الرئيسية، فإن موضوع الحرب بشكل عام لم يثر سوى من قبل 3 في المئة فحسب من المستطلعة آراؤهم. أما حرب العراق فلم تُثر سوى من قبل 1 في المئة فقط. بينما لم يرِد ذكر حرب أفغانستان سوى على لسان 0.5 في المئة منهم. منذ أربع سنوات فقط، كان موضوع العراق هو الموضوع الأكثر أهمية على الدوام في أي استطلاع لآراء الناخبين. في تلك الفترة كان العراق يبدو وكأنه متجه نحو الحرب الأهلية، وكانت أميركا تبدو وكأنها على وشك التعرض لمهانة دولية تفوق تداعياتها بكثير تداعيات فيتنام. وفي تلك الفترة تمكن أوباما من تأمين ترشيح حزبه من خلال وعوده بسحب سريع للقوات الأميركية من ذلك البلد. ورغم بقاء عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين في العراق، فإن تضاؤل الأهمية السياسية لتلك الحرب في نظر الأميركيين، يعد في حد ذاته مؤشراً على النجاح الذي تحقق في أواخر ولاية بوش، وهو النجاح الذي جعل العراق أكثر استقراراً مما كان عليه خلال السنوات السابقة. وكان ذلك بمثابة هدية إلى أوباما من سلفه، تقبلها بترحيب ومكنته من إجراء خفض مسؤول في أعداد القوات هناك. غير أن الأميركيين لم يحققوا نجاحاً في أفغانستان يمكن مقارنته بنجاح العراق، مما قد يفسر لنا عدم أهمية الحرب هناك (أفغانستان)، كموضوع ضمن السجال الدائر في سياق انتخابات التجديد النصفي التي أوشكت على الانطلاق. ورغم أن غالبية المواطنين الأميركيين الذين يستجيبون لاستطلاعات الرأي العام المختلفة في الوقت الراهن يصفون الحرب في أفغانستان بـ"الحرب الضائعة"، وبأن "الوضع فيها قد بات شبيهاً بما كان عليه في فيتنام"... فإنها قلما تبرز كعنصر فاعل في الانتخابات الوطنية. ما هي الأشياء التي يمكن أن تفسر هذا الافتقار للاهتمام. لا شك أن العامل الاقتصادي الذي تمكن من إقصاء باقي العوامل المنافسة من خشبة المسرح، يأتي على رأسها. لكن ذلك لا ينفي أن هناك عوامل أخرى، أهمها أن الحرب في أفغانستان قد باتت تحت قيادة جنرال ذي سجل ناصع وهو ما جعل الشعب الأميركي على استعداد للانتظار لرؤية ما الذي سيحققه هذا الجنرال، وهو ما كان سبباً بالتالي في فتور الاهتمام بتلك الحرب حالياً. والديمقراطيون الذين لا يميلون للحرب عادة، يحققون مزايا عندما يقررون الاستمرار في حرب لا تحظى بتأييد الشعب الأميركي؛ مثل الحرب الحالية. أما الجمهوريون، وهم أكثر ميلاً للحرب، فقد كان من الطبيعي أن يحافظوا على تأييدهم للحرب في أفغانستان، ويرفضوا استغلالها من أجل تحقيق أهداف حزبية. بيد أن الاحتمال الأرجح هو أن ينهار وقف إطلاق النار الحالي بين الحزبين بشأن الموضوع الأفغاني في نهاية المطاف. ومن المرجح أيضاً أن تتصادم النصائح العسكرية السديدة للقادة الميدانيين مع القرار التعسفي الذي اتخذه أوباما بتحديد يوليو عام 2011 كموعد للبدء في سحب القوات الأميركية من أفغانستان، وهو ما ينكأ مجدداً جميع الجراح التي لم تلتئم بشكل سليم في العملية السياسية التي تتبناها الإدارة بصدد الحرب في أفغانستان. وهناك من يفترضون سبباً أكثر عمقاً لتلك اللامبالاة الواسعة النطاق بالحربين اللتين تخوضهما الولايات حالياً. والحجة التي يتبناها هؤلاء هي أننا مجتمع لا يقوم إلى حد كبير بتوزيع الأعباء العسكرية الناتجة عن الحروب على كافة قطاعاته، وأن هناك مجموعة صغيرة من المتطوعين الذين ينتمون في معظمهم إلى المدن الصغيرة، والمناطق الزراعية في الجنوب والغرب الجبلي، هم الذين يتحملون عادة معظم تلك الأعباء، على عكس ما كان عليه الوضع في الحرب العالمية الثانية مثلاً عندما كانت أعباء الخدمة العسكرية وإجراءات تقنين استخدام المواد الغذائية يتم تحملها من قبل جميع الأميركيين بصرف النظر عن خلفياتهم. "يمكن للفجوة الحالية بين العسكريين والمدنيين، والتي تمثل تحدياً خطيراً، أن تتفاقم بمرور الزمن"، هذا ما يقوله جيتس، وزير الدفاع الأميركي الذي يضيف: "ومن المتوقع أن يؤدي هذا إلى خلق كادر من القادة الذين يفقدون بالتدريج القواسم المشتركة؛ السياسية والثقافية والجغرافية، بينهم وبين أفراد الشعب الذين أقسموا على الدفاع عنه". وفي هذا السياق، يقترح جيتس على الجامعات والكليات أن تكون أكثر انفتاحاً على برامج "الفيلق التدريبي لضباط الاحتياط"، مع تشجيع المزيد من خريجي الجامعات على الالتحاق بالجيش. وخلال عشاء حضرته في الآونة الأخيرة، وضم عدداً من الضباط العسكريين، لم يكن ذلك الحنين الذي توقعته لنظام القرعة أو التجنيد الإجباري، بل كان هناك ميل واضح نحو اتباع نظام التطوع في التجنيد، لأن القوة المتطوعة في نظر هؤلاء الضباط تتيح الفرصة لتجنيد أفراد من نوعية أفضل، تتمتع بالمهارات المطلوبة للخدمة العسكرية. وأتفق مع هؤلاء الضباط في الرأي، إذ لا شك أن نوعية المهارات والخبرات التي تحتاجها حالياً قواتنا المسلحة الحديثة، تتطلب أن تكون لدينا نوعية محترفة من الجنود. وإذا ما أخذنا في الحسبان التهديد المتزايد الذي يمثله الإرهاب، فإن هؤلاء الجنود سيظلون فاعلين وعلى أهبة الاستعداد حتى عندما يفتر اهتمامنا أو يتجه إلى الداخل. فهم ليسوا مثل باقي أميركا، وإنما هم جنود محترفون يضطلعون بعبء ضخم، ويشعرون بالفخر لذلك. وهم ليسوا بحاجة لانضمام باقي المجتمع إليهم، وكل ما يريدونه من ذلك المجتمع أن يؤيدهم فحسب. ------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبرج نيوز سيرفس"