مازلت أنادي في مقالاتي بالصحف المصرية والعربية، بضرورة الاقتداء بالتجربة الفريدة التي تطبقها صفحات "وجهات نظر" في صحيفة "الاتحاد" في أبوظبي كل عام وعلى مدى خمسة أعوام كاملة، في ذكرى العيد السنوي لإصدار النسخة الأولى من الصحيفة عام 1969. إنها تجربة تقوم على دعوة الكُتاب من كافة أقطار الأمة العربية بمشارقها ومغاربها ومهجرها، ليلتئم جمعهم في أبوظبي لمدة ثلاثة أيام حافلة بتبادل المعرفة والتقارب الإنساني، فضلاً عن الانغماس في نقاش عميق حول الموضوع المختار ليكون محور نقاشات "منتدى الاتحاد" كل عام. تفاعل أعضاء هذه الكوكبة من كبار الجامعيين والباحثين والإعلاميين العرب، يحقق مهمة كبرى وهي تشبيك أعضائها، أي جعلهم في حالة ارتباط واتصال يعين على مزيد من التفاهم وخلق الرؤى المشتركة. هنا في تجربة "منتدى الاتحاد" تظهر طبيعة الأهداف المتصلة بخدمة الأمة وأقطارها وقضاياها في عبارات أملت نفسها على وجداني ولساني وأنا أخاطب المنتدى يوم 21 أكتوبر الجاري في إطار موضوع العرب ودول الجوار. كان حديثي عن محور إسرائيل التي وصفتها بدولة جوار "السوء والشر"، التي نحاول كعرب، ترويض أطماعها التوسعية الشريرة وتوجهاتها العنصرية البغيضة. وقلت في إطار البحث عن البدائل الاستراتيجية والسياسية التي تمكن أمتنا من استكمال مهمة الترويض في ضوء التباطؤ الواضح في عملية المفاوضات التي تسير على حافة الجمود والفشل.. كوكبة المفكرين العرب المشاركين في المنتدى، يقفون في خط الدفاع الأول عن قضايا العروبة، وخاطبتهم قائلاً إنكم تمثلون النخبة العربية الأولى المسلحة بالفكر الخلاق والمبدع. وترتيباً على ذلك طالبتهم ببلورة مقترحات عملية قابلة للتطبيق تعين صانع القرار العربي في مواجهة التحديات الإسرائيلية. إذن، فنحن أمام تجربة ذات قسمات بينة وواضحة تشمل انتخاب كتاب من أصحاب التخصصات العلمية في كافة المجالات المتصلة بالعلوم الاجتماعية والإنسانية، تتوفر لهم الخبرات المتراكمة التي تمكنهم من تجاوز المعالجات الملامسة لسطح الموضوعات والنفاذ إلى الأعماق وتوليد الرؤى والحلول الخلاقة. وإذا كان هذا هو المعيار الفني والمهني المميز، فإن هناك معياراً آخر يتصل بطبيعة "الاتحاد" ورسالتها كمنبر للهوية العربية، وكناطق يعبر عن طموحات وأبعاد التجربة العربية الوحيدة التي تلبي بنجاح أشواق الأمة العربية وحنينها إلى حالة الوحدة على الصعيد العربي. هؤلاء المفكرين يحمل كل منهم هذه الرسالة بين جوانبه ويحتضنها في وجدانه ويعبر عنها في أعماله الفكرية ومقالاته على حدة. غير أن فرصة التواصل والاجتماع والتفاعل الفكري الخلاق والتقارب المعنوي مع رفاق الكتيبة في بهو صحيفة "الاتحاد" المحمل بعبق التجربة الحية لاتحاد الإمارات العربية المتحدة، يضيف إلى الخبرة الفردية ثراءً نابعاً من كنز العقول المجتمعة، ومن محراب اللقاء في تعدد وجهات النظر بين أعضاء هذه الكوكبة العربية الفريدة، هو مصدر تراثها الفكري وقدرتها على خدمة القضايا العربية بأكثر الأفكار كفاءة. أضف إلى هذه ما تقدمه تجربة منتدى الاتحاد للمشاركين فيها من اعتصام بحبل وجداني واحد يربط بين الجميع برباط عروبي وثيق. إنها تجربة تستحق الاقتداء.