عندما قررت "فاطمة بوتو" تأليف كتابها الذي نعرضه هنا، وعنوانه "أغنيات الدم والسيف... مذكرات ابنة"، فذلك لأنها تريد تذكر كل شيء عن والدها حتى التفاصيل الصغيرة. فقبل أن يطويها النسيان، تسعى الكاتبة إلى تسجيل 14 عاماً قضتها بصحبة والدها قبل أن يغيبه الموت في محاولة منها للوفاء بوعدها له قبل مقتله في عام 1996. لكن لا يمكن الدخول إلى عالم فاطمة وولدها "مرتضى بوتو" دون التطرق إلى حياة العائلة بأكملها، تلك العائلة التي احتلت مكانة رائدة في الحياة السياسية الباكستانية لعقود طويلة، وهو ما تسعى المؤلفة إلى توضيحه في كتابها هذا. فقد تحملت العائلة، وهي تخوض المعترك السياسي الصعب في باكستان، أعباء السلطة الثقيلة وخلفت وراءها الكثير من المآسي بدءاً بجدها الذي أسس حزب الشعب وأُعدم لاحقاً، ومروراً بعمها الذي دُس له السم فمات في فرنسا، ثم والدها، الناشط السياسي، الذي أطلقت عليه الشرطة الباكستانية النار لترديه قتيلاً، وانتهاء باغتيال عمتها بنازير بوتو في ديسمبر 2007 بعدما كانت أول امرأة تتولى منصب رئاسة الوزراء في بلد إسلامي. وعلى مدار الكتاب تواصل الابنة تقصي أخبار العائلة وتاريخها الحافل بالعنف والعاطفة، متعقبةً التفاصيل الصغيرة الخاصة بحياة أفرادها. وفي هذا السياق يتحول الكتاب إلى رحلة تاريخية تنقلنا من خلالها المؤلفة بين دروب الحياة التي عاشها والدها، مشيرة في نفس الوقت إلى الصلة التي باتت تربط بين اسم العائلة والتاريخ السياسي لباكستان وكيف كانت العائلة جزءاً لا يتجزأ من الاضطرابات التي عرفتها البلاد. المؤلفة تبدأ مذكراتها بإعادة تشكيل الأيام الأخيرة التي قضتها مع والدها قبل مقتله لنعود معها إلى بيت العائلة في كراتشي. ورغم اختيار المؤلفة لخط زمني تقليدي في السرد يحترم التتابع المنطقي للأحداث، فإنها تغوص بنا في بعض الحوادث المؤلمة معبرة عنها بلغة شاعرية رقيقة. ففي لحظة من اللحظات تستفيض في وصف المرة الأخيرة التي استقل فيها والدها السيارة مفصلة الألوان التي رأتها معه أثناء مرور السيارة بالسوق وما أحاط بهما من أصوات وروائح تنبعث من المكان. ولا تنسَ المؤلفة الإشارة إلى عادات والدها، مثل تلميع حذائه كل مساء، والطريقة التي يرص بها كتبه على رفوف المكتبة. وعن حياتها تقول: "انفصل والداي في سن مبكرة ليتولى أبي تربيتي مذ كنت في السابعة من عمري. وقد استمتعت كثيراً بصحبته، وكان أباً رائعاً بالنسبة لي. في تلك الفترة كنا نعيش في المنفى، وكانت باكستان تموج بالاضطرابات، لكن رغم ذلك استطاع والدي خلق حياة آمنة بالنسبة لي، وكنت أجد متعة لا تضاهى في حكايته الليلية ومشاهدة الأفلام البوليسية وغيرها من المتع". ومع أن فاطمة تغوص عميقاً في تفاصيل حياتها مع والدها فإنها تتجاوز ذلك للبحث في شخصية والدها، حيث رجعت إلى أطروحته الجامعية وراحت تقرؤها متمنية لو كان على قيد الحياة لتناقشها معه، كما اطلعت على رسائل غرامية كان يرسلها إلى حسناء يونانية جمعته بها علاقة بعد طلاقه من والدتها. وعدا الحياة الخاصة لوالدها التي تسعى إلى كشفها، تفتح المؤلفة أيضاً نافذة على الحياة السياسية في باكستان، مركزة على الفساد المستفحل، فلا تتردد في الإشارة إلى الاختلالات المرتبطة بممارسة السلطة في ظل غياب شبه تام لنظام فصل السلطة وانتفاء محاسبة المسؤولين الفاسدين، بالإضافة إلى حالات التعذيب والعنف السياسي المستمرة فترة طويلة. وفي إحدى فقرات الكتاب تعبر المؤلفة عن استغرابها من استمرار انقطاع التيار الكهربائي وعجز الحكومة عن تقديم خدمات لائقة بينما تفاخر النخبة السياسية بدخول باكستان النادي النووي وحيازتها لسلاح متطور. ورغم التشابه الذي يراه البعض حتى من داخل العائلة بين فاطمة وعمتها الراحلة "بنازير" واقتسامهما معاً الرغبة ذاتها في تخليص باكستان من مشاكلها الكثيرة، فإن العلاقة بينهما لم تخلُ من توتر مرده أن فاطمة ووالدها كانا يفضلان حكومة تمثل الشعب فيما كانت بنازير تميل إلى الإمساك بالسلطة وممارستها. بل إن الكاتبة اتهمت في إحدى المرات بنازير بالضلوع في قتل والدها. وتعود فاطمة إلى الحاضر معبرة عن انشغالها بالوضع الذي آلت إليه البلاد بعد الفيضانات الأخيرة التي اكتسحت مناطق شاسعة، وهو ما تعبر عنه قائلة: "عندما ننظر إلى الوراء ونرى كيف أُهملت السدود لتغرق البلاد في المياه، أشعر بالأسف لأن الكارثة الحالية كان بالإمكان تفاديها لو أُخضعت السدود للصيانة". وفيما يتعلق بالمساعدات الدولية، تشير فاطمة إلى مفاجأتها الكبيرة عندما جاءت التبرعات دون المستوى المطلوب مقارنة بتلك التي استفادت منها هايتي بعد الزلزال المدمر الذي ضربها، متسائلة ما إذا كان "العالم قد أدار ظهره لباكستان". زهير الكساب ------- الكتاب: أغنيات الدم والسيف: مذكرات ابنة المؤلفة: فاطمة بوتو الناشر: نايشن بوكس تاريخ النشر: 2010