جاء في كتاب "عندما تغير العالم"، والذي نشر في سلسلة "عالم المعرفة"، أنه في "عام 1630 بدأ راهب فرنسيسكاني يدعى مارين ميرسين في تنظيم اجتماع للمثقفين مرتين أسبوعياً في صومعته بدير "بورت رويال". وقد نجح في أن يجعل كل عالم مفكر ذي مكانة على صلة بأعمال غيره من المفكرين. وكان أي مفكر يصل إلى باريس يتجه إلى الدير مرتين أسبوعياً لحضور المناقشات الفلسفية والعلمية. وفي عام 1634 أصدر ميرسين كتابه "المسائل"، والذي أرسى فيه ثلاث قواعد أساسية للبحث العلمي: أرفض كل ما يتعلق بسلطة سابقة، اتخذ من الملاحظة والتجربة أساساً لجميع نتائج بحثك، ضع أساساً رياضياً لكل ما تفهمه من ظواهر الطبيعة. دفعني لهذا الاستشهاد حضوري المنتدى السنوي الخامس لجريدة "الاتحاد" التي تبذل الجهد والوقت والمال لاستقطاب كوكبة من خيرة أدمغة العالم العربي، ما يعادل مجلس حكماء العرب في 52 دماغاً متوقداً! وهكذا اجتمعت بالعشرات من أمثال الخيون من العراق، والشايجي وشملان من الكويت، والأنصاري وعبدالملك من قطر، وغليون من سوريا، وياسين والبحراوي من مصر، والمدني من البحرين، وولد أباه من موريتانيا، وصاغية والسماك ورضوان السيد من لبنان، وتركي الدخيل صاحب برنامج "إضاءات"، والحروب من فلسطين. وما يميز هذه المجموعة من المفكرين أنهم خليط من الفكر الحر من دون تزمت ديني ولا تطرف أيديولوجي، فهم يتحاورون بشفافية وصدق، ودون خوف من رقيب. والحقيقة أنه، وبغض النظر عن أية إسقاطات أخرى، يعتبر هذا اللقاء فريداً ممتعاً إلى حد كبير، فلا تشعر بالوقت وأنت تتقلب من بستان إلى زهرة، ومن حقل أخضر إلى سماء باهرة، ومن بحر رجراج إلى قمر منير، في استعراض بهي لعالم العقول ومغامرات الأفكار. لكن ماذا يفيد مثل هذا اللقاء وما ينتج عنه؟ هل يزيد المنتدى عن تظاهرة إعلامية وفكرية، أم يخفي خلفه هدفاً استراتيجيا بعيد المدى، كما هو عمل الكاهن ميرسين الذي أنتج مناخاً عقلياً جديداً في أوروبا؟ الجواب على هذا بالقطع سيأتي به المستقبل، لكن من الواضح حالياً أنه من المهم أن تجتمع مثل هذه الكوكبة من الكتَّاب فتتحاور وتبني العقل العربي وتلقي الضوء على المشاكل الملحة، والتي كانت في لقائها الخامس حول علاقة العرب مع الخماسي: إيران تركيا أميركا إفريقيا وإسرائيل، لتخلص الآراء إلى كلمة واحدة، وهي أن الكل عنده رؤيا، من كرد وعجم ويهود وأميركان وطليان وسود، ولا رؤية عند العرب، ولا جامع يجمعهم إلا الخلافات والحدود، مع أنهم ينطقون لغة واحدة ويصلّون إلى كعبة واحدة. لكن استمرار تلك الخلافات يظل شاهداً على أن العقل العربي لم يولد بعد.