استقبل السودان ضيفين كبيرين لم يزر أي منهما الخرطوم من قبل، هما كولن باول وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية و كوفى أنان الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة. وتتابع وصول الضيفين اللذين زار كل منهما منطقة الأزمة والكارثة التي استدعت توجههما نحو السودان، وهي إقليم دارفور الذي يعاني من بؤر متعددة للاقتتال ويواجه نحو مليون من أهله أوضاعاً مأساوية لفتت انتباه العالم واستحوذت على قدر كبير من تفكير القادة على مستوى الدول الغربية والعربية والأفريقية حتى أصبحت هماً من هموم منظمة الأمم المتحدة.
إن الضيفين لم يحضرا إلى السودان تلبية لدعوة من حكومته أو غيرها ولكن رغبة من العالم الخارجي وقياداته في الوقوف على حقائق الوضع على الطبيعة في دارفور بعد أن تضاربت تقارير المبعوثين سواء كانوا من الرسميين أو ممثلي هيئات العون والغوث، تضاربت واختلفت تقارير هؤلاء مع ما تقوله الحكومة في الخرطوم.
إن عشرات الوفود من داخل السودان وخارجه تواصل زيارة دارفور والطواف على ولاياتها الثلاث (شمالا وجنوبا و غربا) وكلها تعكس رؤاها وفق قناعاتها. وهنا لعل أهم وأبرز من قام بمثل هذه الزيارة السيد الصادق المهدى إمام جماعة الأنصار وزعيم حزب الأمة الذي عاد قبل يومين من هناك وأعلن رؤيته وقناعاته التي جاءت في معظمها لتدين سياسات الحكومة القائمة وتحملها نتائج ما حدث من قبل وما هو حادث الآن. إن السيد المهدى يعلن أن ما بدارفور هو كارثة إنسانية وسياسية وأنه إذا لم يتدارك الأمر بصورة عاجلة فان النتيجة هي أن تمتد الحرب من دارفور إلى أقاليم السودان الأخرى بل وحتى إلى البلدان المجاورة التي تشترك مع دارفور في مكوناتها السكانية.
لقد طالب السيد الصادق بإزاحة كل قادة الحكم المحلى في دارفور واستبدالهم بعناصر تقدر خطورة الوضع، وقال إنه إذا لم يحدث تبدل عاجل فإن التدخل الدولي وارد لا محالة.
حقيقة الأمر وملخصه أن حكومة السودان تواجه الآن مأزقاً حاداً تحاول الخروج منه بأقل الخسائر إن أمكن ولهذا فإنها قبلت زيارة السيدين كولن باول وكوفى أنان على مضض حسبما يقولون لأنها لا تخفي خوفها من أن هدف الزيارة النهائي قد يكون التبرير للتدخل الأجنبي في دارفور، وهو تدخل يغلب الظن في أنه يمكن أن يكون خشناً وقد لا يقتصر على دارفور وحدها. لقد واجهت الخرطوم تدخلاً أوروبيا أميركياً من قبل في مساعي حل مشكلة الجنوب وإنهاء الحرب الأهلية فيه، ولكنه كان تدخلاً سلمياً ناعماً انتهى بالتوفيق والنجاح في الوصول بالفريقين المتحاربين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان (الجنوبية) إلى اتفاقية وقعت قبل أسبوعين وبقي إقرار بعض تفاصيلها في خلال أسابيع معدودة، ولكن الوضع في دارفور مختلف والتدخل الأجنبي فيه، لو جاء، سيكون مختلفاً في شكله وفي موضوعه.
إن وزير الخارجية الأميركية لن يبقى بين الخرطوم ودارفور إلا ليومين ولكن الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة وفق البرنامج المعلن سيبقى لبضعة أيام، وفي نهاية هذه الزيارة سيتضح ما لو كانت الخرطوم قد وفقت في الخروج من المأزق أم غير ذلك.