"يا صديقي أنت لم تنادني، فما الذي أيقظني؟ أنت لم تلمسني، فلماذا أرتعش؟"، سأل "جلجامش" صديقه "أنكيدو" في الملحمة السومرية المشهورة التي تعدُّ أم الملاحم. فما الذي أيقظنا في الشهر الماضي على 623 قطعة آثار مخبأة في 12 صندوقاً في مجلس الوزراء العراقي؟ بين القطع تمثال "أنتيمينا"، حاكم مملكة "لكش" السومرية قبل 4400 عام، وهو أقدم تمثال ملك يُعثرُ عليه، ارتفاعه 50 سنتمتراً، ومصنوع من حجر بركاني أسود، وكان قد سرق أثناء نهب المتحف العراقي عقب الغزو الأميركي عام 2003. وفي الصناديق قرطان ذهبيان من العاصمة الآشورية "نمرود" كانا قد سُرقا خلال نهب متاحف المحافظات عقب حرب عام 1991 وعُرضا في مزاد التحف "كريستي" في نيويورك، وتمثال الملك "شولحي" الذي بنيت زقورات "أور" في عهده. وجد التمثال المصنوع من البرونز في رزمة أرسلها بالبريد "الفيديرالي" تاجر تحف في لندن إلى مقتني آثار في ولاية كنتاكي بالولايات المتحدة. وكالهزل في عبارة "اللُقى المفقودة"، كانت تصريحات المسؤولين عنها. سفير العراق في واشنطن ذكر أن الجنرال بترايوس أمر بشحنها قبل سنة بطائرة عسكرية أميركية إلى بغداد، وشوهدت آخر مرة وهي تُسلّم إلى مكتب رئيس مجلس الوزراء. الناطق بلسان المجلس أنكر أنهم تسلموها، ومديرة المتحف الوطني قالت إنها لم تر أياً من هذه اللقى المفقودة، والتي يُفترض إرسالها للمتحف. ووزير السياحة والتراث استبشر بعودتها للوطن، ورّجح أنها في عُهدة وزارة الثقافة المسؤولة عن المتاحف، ووزير الخارجية أجرى مراسيم التوقيع على تحويلها إلى المتحف، معلناً "هذه اللُقى تحثنا على بناء الحاضر والمستقبل"! والمعلومات الموثقة عن اللقى المفقودة نجدها لدى عالمة آثار عراقية غادرت الحياة في الأسبوع الماضي. الدكتورة سلمى الراضي، الباحثة في جامعة نيويورك، كانت من أوائل علماء الآثار الذين ذهبوا إلى العراق بعد وقف العمليات العسكرية مباشرة في حرب عام 1991، وذهبت في عام 2003 قبل توقف العمليات العسكرية. وضعت سلمى عام 1991 قائمة بأربعة آلاف قطعة أثرية سُرقت من متاحف تعرضت للنهب والتدمير في ثمان محافظات شمال وجنوب العراق، ونشرت أول تقرير عنها بالإنجليزية، وأبلغت المعلومات لـ"الإنتربول" و"اليونسكو". وفي أعقاب غزو عام 2003 عرضت في بحث عنوانه "الحرب والتراث الثقافي" سيناريو نهب المتحف العراقي. قامت بالنهب جماعتان منفصلتان؛ تضم الأولى لصوصاً محترفين، والثانية سوقة غوغاء. وتوافق المسروقات طلبيات السوق السوداء الدولية، التي تفضل آثار أوائل فترة "أوروك" والمرحلة الأكدية. ولا وقت للنحيب على الأطلال لدى سلمى، وزملائها العاملين، ليس في التنقيب عن الآثار فحسب، بل ترقينها، وترميمها، وصيانتها. هذه السمة العملية التي لازمتها طوال حياتها ميّزت بحثها "خرائب الحرب وتحديات إعادة البناء". صدر البحث بالإنجليزية عام 2005 في كتاب "نهب المتحف العراقي في بغداد" والذي ضم بحوث 22 عالماً من مختلف الجنسيات، كشفوا أن السوق السوداء للتجارة بالآثار تحقق مليارات الدولارات، وتأتي بالدرجة الثالثة بعد تهريب المخدرات والأسلحة. وللعراق في هذه السوق مكانة أكبر مما في سوق النفط العالمية، فأرضه تحتوي على 10 آلاف موقع أثري، لم يستكشف منها سوى 1500 فقط. وأول ما ينبغي عمله لوقف تهريبها إعادة توظيف حراس المواقع، الذين دمرت الفاقة كرامتهم وحولت بعضهم إلى لصوص آثار، حسب سلمى التي أوصت برفع مرتباتهم. وفي الآثار، كباقي الأمور الأخرى في لعراق، فإن نهب عام 2003 تطوير نهب عام 1991، والاختلاف بينهما هو عصر الإنترنت الذي يتيح لنا متابعة البيع والشراء، والتعرف على أوضاع قوة حرس الآثار، الذين يبلغ عددهم حالياً خمسة آلاف عسكري. ويضحكنا تصريح قائد الحرس، وهو برتبة عميد، لمراسل صحيفة "نيويورك تايمز"، بأنه يحرس المواقع من مكتبه، ويتساءل: "أحرسها بماذا؟ بالكلمات"! ونقرأ شكوى مفتش الآثار في محافظة "ذي قار" من دقة حفريات لصوص الآثار الحاليين التي تدل على أنهم "من أهل البيت"، وتوقع استعادة نصف القطع التي سرقت من "المتحف العراقي"، والبالغ عددها 15 ألفاً، لأنها موثقة، "لكن من يعيد القطع المجهولة التي تسرق من مواقع الحفريات"؟ وكانت سلمى الراضي تقدّر القطع المسروقة بأقل من 10 آلاف. ذكرت ذلك صحيفة "الديلي تلغراف" البريطانية في نعيها، والذي استعاد تفجعها لفقدان رأس فتاة سومرية من الرخام عمره 4200 عام: "إنها فتاة حقيقية. حملتُها في أحضاني من البناية القديمة للمتحف إلى بنايته الحالية". وسلمى وزميلتها لمياء الكيلاني، أول عالمتي آثار عراقيتين، وقد تخرجتا سوية من جامعة كيمبردج، وعملتا في المتحف، وشاركتا بنقل مقتنياته إلى بنايته الحالية من مبناه القديم الذي أنشأته عام 1923 وكيلة الاحتلال البريطاني المشهورة "غيرترود بيل" وهي مستعربة وباحثة في الآثار. وإذا كانت الجغرافية تفرق بين الناس فالآثار تجمع بينهم، وهذه أجمل آثار علماء الآثار العراقيين. ولا تعني كلمة "عراقيين" مواطني العراق، بل مواطني مختلف البلدان المختصين بآثاره، ويضاهي شغفهم بالبلد أشد الوطنيين تعلقاً به. وسلمى في الوسط الآثاري العربي والعالمي "قوة الطبيعة"، حسب النعي المنشور في مدونة زوجها قيس الأوقاتي، أستاذ كرسي الطب في جامعة كولومبيا بنيويورك. فهي من علماء الآثار "المترّبة" أيديهم بالعمل في حفريات العراق والكويت ومصر وسوريا ولبنان وقبرص وتركيا واليمن وتونس والمغرب وأوزبكستان والبوسنة. وقد جمعت سلمى في أعمالها بين التنقيب عن الآثار وترميمها وصيانتها والكتابة عنها، وتطويرها في مشاريع وبرامج تعليم عمرانية، وفازت بجوائز دولية عدة. صحيفة "نيويورك تايمز" كرست نعيها لترميم وصيانة مبنى "العامرية" في مدينة "رداع" باليمن، والذي يعود إلى القرن السادس عشر، ونالت عنه عام 2007 "جائزة آغا خان" التي تمنح كل 3 سنوات لعمل معماري إسلامي. وعندما نرى صور "العامرية" التي تضم مسجداً ومدرسة، وملحقاً سكنياً، نفهم كيف وقعت الآثارية العراقية في حب "العامرية" وقررت إنقاذها. يتكون المبنى من ثلاثة طوابق، وست قباب إسلامية ضخمة تضيء بلونها الطباشري الأبيض على خلفية بنية اللون من المباني اليمنية التقليدية. وأعيد بناء "العامرية" بالطرق التقليدية اليمنية في البناء. ولا يعرف قدر البنّائين كالآثاريين الذين يعرفون أعمال وأسماء بنّائين عاشوا قبل خمسة آلاف عام. وأهدت سلمى كتابها الصادر بالإنجليزية عن "العامرية" إلى البنّاء اليمني "عزي محمد" الذي قالت إنه "يملك في يديه ورأسه خبرة أجيال متعاقبة، ولولاه لانتهى المبنى إلى كارثة". وعبّرت سلمى عن امتنانها لقبول البنّاء المخضرم أن تتلمذ عليه امرأة، وأسف عندما حضرته الوفاة على أنه لم يجعلها "أسطة" في البناء، فمنحها عوضاً عن ذلك رتبة "أوسطية". وتذكر سلمى أنه ليس تصغير "أوسطة" بل صيغة الأنثى منه!