حسناً فعلت تونس عندما استنكرت تصرفات بعض جماهير نادي الترجي، الذين قاموا بشغب ضد أفراد من الأمن المصري وجماهير النادي الأهلي المصري في مباراة الذهاب لبطولة الدوري الإفريقي يوم 4 أكتوبر الماضي. يمكن فهم الاستنكار التونسي على أنه درس لكل الدول العربية لإبقاء الخلافات الرياضية في الملعب وعدم السماح لها بالتعدي إلى حساسيات سياسية ومشاحنات إعلامية، كما حدث بين العديد من الدول العربية. بل أكثر من ذلك، أظهر الموقف التونسي الجميل أهمية الدور السياسي المسؤول في منع من اعتادوا "الصيد في الماء العكر" وتحويل تلك الخلافات إلى حروب إعلامية وشعبية تؤدي إلى القطيعة السياسية قبل الشعبية. تونس الدولة ارتقت بموقفها الرسمي والشعبي؛ الشارع التونسي ومواقع الفيس بوك والمنتديات ونادي الترجي نفسه... جميعاً رفضوا تلك التصرفات وتبرؤوا ممن اقترفها، وقامت الأجهزة الأمنية باعتقال من شارك في أعمال الشغب، لأنهم أساؤوا إلى سمعة تونس. وبذلك تكون تونس قد ضربت مثلاً للتصرف العقلاني بعيداً عن العواطف العربية التقليدية. ولا شك أن مثل هذا التصرف من جانب تونس سيرفع درجة احترامها لنفسها، وليس عند المصريين فقط، لأنه تعامل أقل ما يقال عنه إنه يرتقي إلى تصرفات الدول المتحضرة التي تنظر إلى مصالحها الوطنية بصدق وأمانة. تونس من الدول التي تعتمد على السياحة، وبالتالي لا تريد فقدان سمعتها بسبب تصرفات غير مسؤولة، بل لأن مثل هذه المواقف لا تجدها إلا في بعض الدول الأوروبية؛ كبريطانيا في عهد تاتشر. التصرف التونسي عجزت أمامه كل الدول العربية تقريباً حتى الآن، عن القضاء على ظاهرة كانت تمثل نوعاً من المس بالكرامة الوطنية عندما يهزم فريق بلادها، وأدت إلى الكثير من الخلافات و"النعرات". تونس كانت جريئة مع نفسها، وأرجعت بموقفها الدور الحقيقي للرياضة، وهو تصحيح ما تفرقه السياسة، وإن كانت قد قلبت المعادلة فأصلحت السياسة ما خربته الرياضة. شغب الملاعب أمر طبيعي قد يحدث أحياناً، لكن ينبغي ألا يتعدى الأمر السلوكيات العادية، وألا تتدخل السياسة فتخرّب العلاقات السياسية والإنسانية. الموقف التونسي جاء على غير ما هو معتاد، بل ما كان يتوقع حدوثه في حالات كهذه، وهي سابقة عربية، حيث مازالت كافة الأجواء العربية تقريباً متوترة بسبب الخلافات الرياضية، ومازالت تفاصيل موقعة "أم درمان" الشهيرة باقية في الأذهان، ومازال التشاحن بين بعض جماهير دول "مجلس التعاون الخليجي" منذ كأس الخليج الأخيرة حياً، ومازالت هناك أيضاً بعض المناوشات الجماهيرية بين الأندية الخليجية... ما يعني أن بعض تلك المشاغبات هي نوع من الثأر والانتقام بسبب عدم وجود موقف حاسم بحجم الموقف التونسي الذي استطاع أن يقدم درساً لمن يريد الإساءة للرياضة تحت شعارات كثر ترديدها مثل "الحماس الرياضي" أو "الانتماء الرياضي"، وإن كان بعضها تعدى إلى تهديد التماسك الوطني. الغريب في الموضوع أنه كلما كانت مسافات الحدود الجغرافية قريبة زادت الحساسيات بين الجماهير، وبالتالي بين المسؤولين، وكان الانتقام أشد والتعصب أكبر، بل إن اللوم ينصب دائماً على السياسيين الذين كانوا يتركون الأمور لتتصاعد وتدمر العلاقات من دون تدخل مباشر كما فعلت تونس حين استخدمت القرار السياسي لتصحيح الخطأ العربي الذي استمر طويلاً، فوضعت الاعتبار الوطني لديها في المقام الأول، فكسبت احترام الجميع.