في ندوة مصغرة ولكن مكثفة، ناقش بعض الباحثين المتحدرين من حقول معرفية عدة، التراث المحلي للمدن العربية، خصوصاً منها ما يمتلك أهمية تراثية حقلية معينة. فالحِرف والمهن التي نشأت في تلك المدن كانت إشارات ودلالات على أهميتها وأهمية استمرارها وتطورها بالنسبة إلى حياتها الاجتماعية والاقتصادية والفنية، بل كذلك بالنسبة إلى جوانبها الجمالية والروحية والدينية. وإذا عمّقنا المسألة ووسّعناها بعض التوسيع في وجهه التاريخي، ربما أمكننا القول بأن جانباً من جوانبها يمثل وجهاً مهماً في تاريخها، نعني الإنتاج الثقافي العام الذي تنتجه عادة فئات من المثقفين الذين ينتمون إلى الفئات الوسطى. وسمة أخرى تحدد هذه الفئات، هي انبهار مجموعات وأفراد غالباً لا تصل إلى مستوى عال ومرموق في الإنتاج الثقافي، لكنها تحمل دلالات خصوصية كبرى على وجودها الاجتماعي وحضورها الثقافي ونشاطها السياسي. وبهذا الاعتبار، هي تعبر عن حراك ذي أهمية خاصة في تاريخ المجتمع، الذي ينتجها والذي تنتمي إليه. وبما أن موقع تلك الفئات يأتي في الوسط من المجتمع، فهي تكتسب سمات وخصوصيات بالغة الأهمية، أما الأولى من هذه الأخيرة فتتحدد في أنها ميسورة اقتصادياً مادياً وقادرة -من ثم- على الحراك السياسي والثقافي خصوصاً، إضافة إلى نمط من الحراك الاقتصادي بصيغة مشاريع إنتاجية صغيرة تغطي حاجات قسم كبير من هذا القطاع. وتبرز السمة الثانية للفئات إياها، المتوسطة، وتقوم على القدرة على النشاط الثقافي النظامي والشعبي العمومي. وبهذه الحدود، نلاحظ أن اتجاهات الحوار الثقافي والسياسي الثقافي في المجتمع تنطلق، بكيفية خاصة، من هذه المواقع، كما أنها تمثل مؤشرات للتغيير السوسيولوجي والثقافي وربما كذلك القيمي والفني والنفسي الاجتماعي وغيره، حين تحدث وتفصح عن نفسها. ذلك كله -ولم نشر إلا إلى ما رأيناه حاسماً- يضعنا أمام نتائج وخلاصات واستحقاقات محددة. يبرز في مقدمة هذه الأخيرة الواقع الذي تعيش فيه وتئن تحت قبضته الفئات المعنية، وهو ذلك الذي يتسم بتفكيك تلك الفئات والمجموعات وتساقطها باتجاه خط أساسي كبير، هو الفقر والإفقار وما يتعلق من ذلك بنتائج مدوية في المجتمع العربي. لقد تحولت إلى مواقع العجز عن توازنها وتماسكها المادي أولاً، وعن فقدانها حدود الكرامة الذاتية يداً بيد مع جعْلها تلهث وراء حريتها ثانياً، ومع الإشارة إلى أن الأحداث الكبرى في العالم أسهمت في مزيد من الاضطراب والتوتر. وثمة عنصر آخر ذو أهمية راهنة خاصة، ذلك هو الذي يتلخص في واقعة خطيرة تتمثل في أن تلك الفئات، التي مارست في عهود سابقة دوراً تنويرياً مهماً، قائماً على الاعتدال والتوازن الفكري والأخلاقي والسياسي في المجتمعات العربية، تجد نفسها اليوم بقسم من مكوناتها، مخترقة من قبل تيارات دينية واجتماعية وسياسية ظلامية توزعت على خريطة جديدة قد نسميها بـ"خريطة القوى الظلامية في العالم العربي". فإذا كانت هذه القوى قد افتقدت الحرية والكرامة والكفاية المادية، فإنها غدت عرضة للاختراق من قبل تيارات التشدد والتوتر بل والإرهاب وغيره. ويبقى أن نشير إلى زاوية أخيرة من زوايا الشخصية الوسطوية، هي إنتاجها الثقافي العمومي وحفاظها على التراث الثقافي. فثمة أسماء كثيرة كانت في عداد من أنتج في حقول القصة والشعر والدراسات الفكرية والأدبية والفنية، ووجد منها أعداد كبرى ممن انطلق نحو أوروبا وأميركا بغاية التزود بالعلوم الطبية والطبيعية والاجتماعية والسياسية، وكذلك ممن اشتغل بالدراسات الفلسفية والفقهية والتاريخية، وممن أبدع في هذه جميعاً أو في واحدة أو أخرى. أما الفكرة التي ألح عليها المشتركون في الندوة المكثفة والمصغرة المذكورة هنا، فهي أن الكثير مما أنتجه أولئك وأبدعوه، غدا الآن مهدداً بالاندثار أو بالضياع مع موت قسم من مبدعيها ومنتجيها، أو مع دخول فريق آخر من هؤلاء السجون السياسية (سجناء الرأي والضمير) وتحول بعض آخر منهم إلى متسولين يعيشون جزئياً من أثمان كتبهم، التي يعرضونها للبيع، هنا وهناك. إنها المأساة - الملهاة!