في كتابي "أصوات عربية" وصفتُ لبنان بأنه "برميل بارود، إلى جانبه تلعب مجموعات كثيرة بأعواد الثقاب"؛ والواقع أن زيارة نجاد إلى هذا البلد العزيز والهش أنظر إليها في هذا السياق؛ إذ بدلًا من مساعدة لبنان ومجتمعه السياسي المنقسم، قد تؤدي التدخلات الخارجية إلى تعميق انقساماته واستقطاباته؛ وبدلاً من الاعتراف بالطابع الهش للبلاد وأخطار تجدد النزاع مع إسرائيل، فإن هنالك من قد تفهم تدخلاته على أنها تحرض عليها. قد تكون الخطابة النارية وزهو النصر وإطلاق العنان للخيال قد خلقت جوّاً مؤقتاً من الانتشاء في وسط جمهور مهمش ومسلوب الحقوق، غير أن الأجواء الاحتفالية وإلقاء الخطب لا تعكس الواقع ولا توفر طريقاً إلى التغيير المطلوب. وعلى هذا الأساس، فإن زيارة نجاد والتصرفات التي رافقتها أقرؤها شخصيّاً على أنها استفزاز خطير. إنني أتشبث بما قلته في 2006 عندما احتفل العديد من العرب بـ"الانتصار" الذي حققه "حزب الله" -ولكن هل يمكننا أن نكون من اليأس بحيث نصف خسارة 1400 روح وإلحاق دمار وأضرار تقدر بمليارات الدولارات بالكثير من البنى التحتية في البلاد بأنها نصر؟ إن ما حدث في 2006 كان مأساة وكارثة حقيقيتين، لأنه كان حرباً جنونية ومهدورة لم يفز فيها أحد -وحرباً دفع فيها لبنان وشعبه ثمناً باهظاً. والحقيقة أن بعض التصرفات في الزيارة تذكِّرني بما كان الدكتور "رون والترز" يقوله عن القس لويس فرخان، زعيم "أمة الإسلام". و"رون"، الذي وافته المنية الشهر الماضي، كان خبيراً أميركياً إفريقيّاً متخصصاً في العلوم السياسية وواحداً من أذكى المحللين الذين كان لي شرف العمل معهم. و1984، وبينما ترشح جيسي جاكسون للانتخابات الرئاسية، في مسعى لتمكين الأميركيين المنحدرين من أصول إفريقية وإسماع صوتهم تحت شعار "لقد حان دورنا"، قفز فرخان إلى الواجهة وانتهز المناسبة ليدلي بشكل منتظم بتصريحات وتعليقات مشينة كانت تتسبب في سيل متواصل من الاضطرابات والاستفزازات. ولأنه كان يعلم أن بؤرة الضوء ستكون دائماً مسلطة عليه (ذلك أن الصوت الأعلى والأكثر تطرفاً يجذب إليه دائما أكبر قدر من الانتباه) ولأنه يستطيع دائماً دفع الخصوم إلى مهاجمته، فإن فرخان لم يضع فرصة للاستئثار بالاهتمام والتسبب في التشويش وصرف الانتباه. وذات يوم جلس "رون" مع مجموعة من مساعديه من أجل تحليل ما يجري؛ وكان قد فهم اللعبة التي كانت دائرة. فقد كان فرخان في حاجة لأن يكون هو القصة وكان يعلم أن إثارة الغضب هي الطريق إلى ذلك. ولكن، هل ساهمت تصرفاته في الدفع بأجندة الأميركيين المنحدرين من أصول إفريقية؟ كلا. وهل ساهمت في تمكين المجتمع؟ كلا. بل الحقيقة هي أنها كانت في أحيان كثيرة تتسبب في انتكاسات. غير أنها بالمقابل نجحت في الدفع بأجندة فرخان، إذ بينما كان ينخرط هو في الاستفزازات التي تثير انتقادات غاضبة، كانت هذه الانتقادات تضعه في محور الاهتمام. وقد طلبتُ من "رون" أن يشرح ردود فعل المجتمع على كل ذلك، فأجاب قائلا:"إن فرخان هو مقياس عمق عزلة السود عن أميركا البيضاء". والواقع أن فرخان كان يدرك هذا الأمر وكان يعرف بالتالي أن خطابه الذكي سيلهب المشاعر (حتى بين بعض الأفراد داخل ما يسمى "المؤسسة السوداء"، الذين على رغم نجاحهم إلا أنهم كانوا يقتسمون الشعور بالتهميش والعزلة الناتجة عن التمييز). كما كان يعرف أن البيض سيردون ويشنون هجوماً مضادّاً، وأن هذا لن يؤدي إلا إلى تعميق الدعم الذي سيحصل عليه حينها بين أنصاره المهمشين. لقد كانت لعبة خبيثة لا نهاية لها تعززت فيها تخوفات بعض البيض، مثلما تعززت فيها إحباطات بعض الأميركيين المنحدرين من أصول إفريقية، ولا شيء تغير إلى الأفضل -ما عدا جذب فرخان لحشود هائلة واستئثاره بتغطية إعلامية واسعة. والواقع أن العملية نفسها بدأت تحدث في لبنان وعبر أجزاء من العالم العربي اليوم. فلبنان، الذي هو في أمسِّ الحاجة إلى الإصلاح والمصالحة الوطنية، يكافح من أجل استرجاع سيادته ووحدته. والفلسطينيون محرومون من الحرية، حيث تخضع غزة للحصار في وقت ما زالت فيه الضفة الغربية تعيش تحت الاحتلال، على رغم بعض التقدم الطفيف؛ وما زال ملايين الفلسطينيين في مخيمات اللاجئين محرومين من حقوقهم الأساسية. كما أن العراق في حالة فوضى؛ وفي أجزاء كثيرة من العالم العربي هناك شعور مستمر من اليأس والفوضى وحالة عدم اليقين بشأن المستقبل، بعد أن شاهد العرب تكرر المآسي في فلسطين، وفي لبنان، واليوم في العراق. إلى هذا العالم، يأتي الآن نجاد بالسلوك المتحدي والخطابة النارية؛ حيث تغذي رسالتهما الغضب، الذي لا يقدم سوى بلسم مؤقت. ولكن باستثناء تأجيج مشاعر الاستياء والغضب ونكء الجروح القديمة، فإنه لا يقدم أي حلول للتغيير. والحال أنه بدلًا من شن هجوم مضاد ومنحه الامتياز، ينبغي أن يكون الرد هو المضي قدماً في تغيير ما أحوج المنطقة إليه؛ ولعل تقوية لبنان بالإصلاحات من أجل تمكين المهمشين والعمل على ضمان الحرية والحقوق التي لطالما حرم منها الفلسطينيون، يشكل المكان الأفضل للبدء. والواقع أنه طالما تعفنت هذه الجروح، فإن المنطقة ستكون أرضاً خصبة للتهميش والاستفزاز والاضطرابات.