"نجم تركيا الساطع"، كما يوصف الدور الجديد لها، تحول في بعض جوانبه إلى "شمس حزيرانية" كشفت بلا رحمة مناطق الضعف والتآكل في الواقع العربي، والنظام العربي، وكل ما كان ضعيفاً مهزوزاً في المنطقة العربية منذ يونيو 1967، فزادته كارثة 1990 وما تلاها ضعفاً واهتزازاً. تحولات تركيا في دورها الجديد سريعة، ضخمة. مدروسة، متعددة الأبعاد، تمس الجغرافيا والتاريخ والدين والمصالح الاقتصادية والأمنية والتوازنات الاستراتيجية. وصول الإسلاميين في تركيا إلى السلطة، والزحف نحو المشرق، والانقلاب على الأتاتوركية، لم يبد بين يوم وليلة، ولكنها جاءت اليوم يداً بيد، مدعومة بفلسفة سياسية، وضعها وزير الخارجية "أحمد داود أوغلو". وبقدر ما نرى من نجاحات في السياسة الخارجية التركية، فثمة تحولات دستورية في الداخل ضد الأتاتوركية وحُراسها من العسكر، كما رأينا في التصويت الذي جرى يوم 2010/9/12 على التعديلات المقترحة. تملص المجتمع التركي بدأ في تقدير الكاتب بجريدة "الأهرام" "صلاح سالم"، عبر مرحلتين ومنذ خمسينيات القرن العشرين، في الأولى التي امتدت حتى الثمانينيات عندما "مارس الامتناع، بالتفكيك البطيء للأتاتوركية، والاستعادة الوئيدة للإسلام عبر عملية إحياء إسلامي، بدت عميقة الجذور في قلب المجتمع التركي، ولم تستطع أن تخترق النخبة الحاكمة". وفي الثانية التي بدأت بمطلع التسعينيات، بدأت "بالبناء الوئيد للعثمانية الجديدة كخطاب هوية يرتكز على الإسلام، ويستند إلى ركائز قوية سياسية صاغتها مظاهر الصحوة الإسلامية المتنامية، أفرزت مع بداية التسعينيات نخبة جديدة مثقفة بقدر ما هي مسلمة". ولكن حزب "العدالة والتنمية"، في تقدير الأستاذ سالم، سيبقى حزباً ليبرالياً، بمعنى أنه "يسعى إلى تجذير الإسلام في المجتمع وليس إلى فرض الإسلام السياسي على الدولة. أي أنه ينتصر للعلمانية في خبرتها الأوروبية، وذلك على الكمالية التي تمثل نوعاً من الأصولية العلمانية المعادية للدين في السياسة والمجتمع معاً". ويدرس الباحث "بشير عبدالفتاح" أبعاد التحول في علاقات تركيا الإقليمية على ضوء الأفكار والتوجهات التي تتبناها حكومة "العدالة والتنمية" خلال سنوات حكمها منذ نوفمبر 2002، كما بلورها مفكر الحزب ووزير الخارجية "أحمد داود أوغلو" في كتابه الأشهر المسمى "العمق الاستراتيجي: مكانة تركيا الدولية"، وبخاصة فكرة "تصفير الخلافات مع دول الجوار"، وفكرة "توسيع الدور الإقليمي التركي" أو ما يسميه البعض بالعثمانية الجديدة، وأخيراً فكرة "المصالحة مع التاريخ العثماني". فباعتقاد بشير لا جديد في الأفكار الثلاث! فالأولى لا تختلف كثيراً عن مبدأ "السلم في الوطن والسلم في العالم" الذي تبناه مصطفى كمال أتاتورك قبل تسعين عاماً، ووقعت تركيا في تلك الفترة عدة اتفاقيات ومعاهدات صداقة مع دول الجوار مثل إيران عام 1926 ودول البلقان عام 1934 وميثاق سعد آباد عام 1937. والثانية التي تتصل بدور إقليمي بارز لتركيا حدثت عام 1964، إبان التدخل التركي الأول في قبرص، وكانت رد الأتراك في زمن "عصمت إينونو" رئيس الوزراء، "أن عالماً جديداً قيد التشكل، وسيكون لتركيا دور مهم وبارز فيه". وكانت أنقرة في ذلك الوقت تستند إلى دعم أميركي واضح، بحكم التحالف، يفوق دعم أميركا لليونان. والثالثة، عندما تفكك الاتحاد السوفييتي وانتهت الحرب الباردة عام 1991، حيث راج الحديث عن الدور الإقليمي التركي، وانطلاق السياسة التركية في مجال أوسع. غير أن تعلق أنقرة بتلابيب الاتحاد الأوروبي عرقل تلك الانطلاقة لبعض الوقت. وينسب الباحث "بشير عبدالفتاح" عملية "المصالحة مع التاريخ العثماني" كذلك إلى مرحلة أقدم من التاريخ التركي المعاصر، "حيث أُطلقت من قبل بعض المؤرخين المتعاطفين مع تلك الحقبة، علاوة على نفر من المثقفين الراغبين في وقفة تصالحية وموضوعية مع الماضي. وعلى المستوى الرسمي أيضاً، أُطلقت دعوات ونداءات في هذا المضمار، كان من أهمها تلك التي صدرت في عهد حكومة "عدنان مندريس"، خلال خمسينيات القرن الماضي (1950-1960). ويرفض الباحث والمفكر د. وحيد عبدالمجيد النظر إلى التحرك التركي "الجديد"، ككتلة من الإيجابيات بالنسبة لمصالح العالم العربي. فتركيا، يقول الباحث "عادت إلى تاريخها ولكن من أجل مستقبلها. فليست عثمانية هي سياستها الجديدة، بخلاف ما يعتقده بعض العرب". ولا نجد في الخطاب السياسي التركي الجديد، الذي تسوده العموميات، تصوراً أكثر تحديداً لمشروع أنقرة في المدى القصير مما قاله "أوغلو" في بيروت عام 2010، إذ عبر عن تطلع تركيا إلى تطوير العلاقات التجارية والاقتصادية التي تنامت مع سوريا والأردن ولبنان لتصل إلى صيغة وصفها بأنها تشبه "شينجن" مصغرة، وتضم العراق أيضاً. ولكن المبادرة التركية لا تعطي الأولوية لمصر والسعودية، كما أن تركيا لا تنظر إلى إيران من الزاوية العربية، وبخاصة المصرية والسعودية. فالأولويات التركية المتمثلة في تأمين حدودها الجنوبية وتهدئة الخواطر حول مياه الفرات، والضغط على الأكراد، وتوسيع الأسواق التجارية، لا تجبرها على تبني كل الأجندة العربية. "ومثلما كان خفض مستوى العلاقات مع إسرائيل ضرورياً لهذا المشروع، وجدت تركيا أن رفع مستوى العلاقة مع إيران لا يقل ضرورة، بالرغم من أن المشروع التركي يبدو متعارضاً مع مشروع طهران التي تسعى لأن تكون هي القوة الإقليمية الأولى عبر شعارات الممانعة والمقاومة والمواجهة". ومع ذلك، يعتقد د. عبدالمجيد، "تظل إسرائيل وإيران كل من ناحيتها وبطريقتها، هما التحدي الأكبر أمام الدور التركي الجديد. ويثير ذلك سؤالاً منطقياً عن جدوى السياسة التركية الجديدة التي يصعب عليها، كما على غيرها، حل هذين الصراعين -صراع الشرق الأوسط وأزمة برنامج إيران النووي- أو حتى احتواءهما". ومن المشككين في احتمالات نجاح الدور التركي د. محمد نورالدين، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية ببيروت وأحد الخبراء في الشؤون التركية. فتركيا قد تخفف التوتر في المنطقة ولكنها لا تملك إلا أن تكون متوازنة بين القوى، صديقة لكل الأطراف، العرب والإيرانيين وإسرائيل. ويقول في مقال بعنوان "تركيا بين العرب وإسرائيل" عامل توازن"، شؤون عربية، (142، صيف 2010)، أن تركيا كانت موجودة في المنطقة أي الشرق الأوسط، على الدوام باستثناء عهد أتاتورك. وقد بدأ تحسن العلاقات التركية السورية بعد "اتفاق أضنه " في10-22-1988- واعتقال الزعيم الكردي عبدالله أوجلان في فبراير 1999. ويجد الدور التركي في علاقاته مع سوريا الساحة الفضلى لجهة التوافق التام على كل القضايا المشتركة. فالموقف التركي مثلاً من قضية غزة وحركة "حماس" يقابل بحذر وريبة وقلق من جانب الدول التي توصف بالاعتدال وفي مقدمتها مصر. والموقف التركي من البرنامج النووي الإيراني كذلك مشروع افتراق تركي-عربي، "فالموقف التركي حتى الآن، من العوامل التي تصب في خانة الدفاع عن البرنامج النووي الإيراني، وتحصينه من أي ضربة مستقبلية". ولا ترى تركيا، من جانب آخر، أن التقارب مع العالم العربي لابد أن يكون على حساب العلاقات مع إسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. فسياسة تركيا في عهد "حزب العدالة و التنمية" لا تصل إلى درجة محو إسرائيل من الوجود، بل إنها محكومة بسقف التسوية على أساس الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة. وتركيا تسعى إلى إقامة دولة فلسطينية على أراضي 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وعودة اللاجئين أو التعويض عليهم، وما إلى ذلك مما يقع تحت سقف المبادرة العربية للسلام. وانطلاقاً من ذلك، فإن تركيا تسعى لدى حركة "حماس" لوقف إطلاق الصواريخ وكذلك الاعتراف بإسرائيل وبحدود 1967، وهو ما ترفضه "حماس". ثم إن لتركيا علاقات اقتصادية وأمنية وعسكرية جيدة مع إسرائيل، لا يعارض حزب "العدالة والتنمية" التركي استمرارها. كما أن الهدف الاستراتيجي للحزب لا يزال الاستفادة من إسرائيل للوصول إلى عضوية الاتحاد الأوروبي.