تحت السطح القاري للولايات المتحدة الأميركية تكمن تكوينات هائلة من الصخور الطينية التي ربما تحوي ما يكفي من احتياطيات الغاز الطبيعي لسد حاجة الولايات المتحدة من الطاقة لعدة عقود مقبلة. وقد توصل علماء الجيولوجيا والطاقة إلى وجود هذه الصخور الطينية منذ عدة سنوات. وكانت أول مرة تم فيها استخراج كميات من الغاز الكامن في الصخور الطينية تلك في عشرينيات القرن التاسع عشر في غرب ولاية نيويورك. غير أن خليطاً من الصعوبات التكنولوجية وارتفاع تكلفة استخراج الغاز، وضع حاجزاً أمام الاستثمار التجاري للاحتياطيات هذه. ولكن من حسن الحظ أن تطورت التكنولوجيا إلى حد جعل من إنتاج الغاز الكامن في الصخور الطينية أسرع موارد الطاقة الطبيعية نمواً الآن في أميركا. ويعود هذا التطور التكنولوجي إلى عاملين رئيسيين؛ أولهما اكتشاف طريقة الحفر الأفقي التي تسمح بحفر مساحات واسعة من تكوينات الصخور الطينية من نقطة واحدة. وثانيهما ابتكار تقنية جديدة تمكن من شق الصخور الطينية واستخراج كميات الغاز الطبيعي الكامنة فيها. وتشمل هذه التقنية حقناً بكميات ضاغطة من الكيماويات والمياه تساعد على ارتفاع الغاز إلى سطح الصخرة حتى يسهل استخراجه من هناك. ويجب القول إن نمو الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي هذه، ترك أثره في الطلب الأميركي على واردات الغاز الطبيعي المسال من الدول الأجنبية. وبسبب انخفاض الطلب الأميركي على هذه الواردات، تتجه الآن كميات أكبر من الغاز الطبيعي المسال إلى قارتي أوروبا وآسيا. غير أنه لا يزال مجهولاً مدى الأثر الذي يمكن لهذا الاتجاه أن يحدثه على أسواق الطاقة العالمية، طالما أن التوسع الأميركي في إنتاج الغاز الكامن في الصخور الطينية لا يزال موضع جدل وخلاف داخليين. ذلك أن بعض أهم المستودعات الطبيعية لهذا المنتج تقع في الولايات الشرقية، لاسيما ولايتي نيويورك وبنسلفانيا. وبينما سمحت الأخيرة بإجراء حفريات جديدة في بعض حقول غازها الطبيعي، لا تزال ولاية نيويورك تفرض قيوداً مشددة على الحفريات هذه بسبب الهواجس المحلية التي يثيرها المواطنون والجماعات الناشطة على حد سواء. ولعل العقبة الرئيسية أمام هذه الحفريات، ما تثيره المناطق الحضرية، خاصة مدينة نيويورك التي يقول مسؤولوها إن التكنولوجيا الحديثة المستخدمة في استخراج الغاز لم تختبر بما يكفي بعد، وإنه ليس مستبعداً أن تهدد حفريات الغاز احتياطيات المياه العذبة في المدينة. ومما يعزز هذه الهواجس التي يثيرها مسؤولو مدينة نيويورك، العثور على حالات مسجلة لتسرب الكيماويات المستخدمة في تفتيت الصخور الغازية إلى مستودعات المياه العذبة. وإلى أن تؤكد الحكومة الأميركية سلامة التكنولوجيا المستخدمة في تفتيت الصخور الغازية، فإنه ليس متوقعاً أن تشهد ولاية نيويورك ازدهاراً يذكر في إنتاج الغاز الطبيعي. وتضاف إلى هواجس مسؤولي الولاية، الآثار النفسية السلبية التي تسببت بها بقعة النفط التي تضرر منها خليج المكسيك خلال العام الحالي. فبسببها ازدادت تحفظات أعداد أكبر من الأميركيين إزاء استخدام تكنولوجيا حفريات الطاقة غير المختبرة، خاصة إذا كانت سوف تؤثر على الاقتصاديات المحلية مثلما حدث من تدمير للحياة الاقتصادية لسكان سواحل خليج المكسيك. ثم هناك عقبة ثانية تعترض طريق التوسع في حفريات الغاز الطبيعي الأميركي. فرغم اعتراف الناشطين البيئيين بأن الغاز الطبيعي تقل فيه معدلات تركيز ثاني أكسيد الكربون، مقارنة بمصادر الطاقة الأحفورية الأخرى، مثل النفط والفحم الحجري، فإنهم يؤكدون أن الغاز الطبيعي يمثل مصدراً لانبعاثات الكربون في نهاية الأمر. وعلى ذلك يبنون اعتراضهم على التوسع في إنتاجه بالقول إنه كلما ازداد اعتماد الولايات المتحدة على منتجات الغاز الطبيعي، كلما تراجع الاستثمار في موارد الطاقة النظيفة التي تساعد على خفض انبعاثات الكربون. ومن جانبهم، يرد المدافعون عن التوسع في إنتاج الغاز الطبيعي بالقول إنه وفيما لو تم تفادي المخاطر البيئية المحتملة لحفريات الغاز واستخراجه، فإن هناك سببين قويين على الأقل يبرران التوسع في الإنتاج: أولهما أن من شأنه التقليل كثيراً من اعتماد الولايات المتحدة على موارد الطاقة الأجنبية المستوردة، ما يعني توجه كميات أكبر من منتجات الغاز الشرق أوسطي والإفريقي إلى أوروبا وآسيا بدلاً من الولايات المتحدة. كما يعني أيضاً الحد من اعتماد أوروبا على صادرات الغاز الروسي. والمعروف أن موسكو كثيراً ما تستأسد على الأوروبيين وتمارس الابتزاز عليهم عن طريق احتكارها لصادرات الغاز إلى أوروبا. وفي الوقت نفسه يؤدي التوسع في منتجات غازها المحلي إلى تضييق فرص استثمارات إيران في حقول غازها التي لم يبدأ الإنتاج فيها بعد. وتؤكد تطلعات الصين للاستثمار في حقول الغاز الأميركية هذه الحقيقة بكل وضوح. فيوم الأحد الماضي، أعربت شركة "كنوك المحدودة"، وهي شركة نفط صينية حكومية، عن أملها في شراء ثلث أسهم شركة "تشيز بيك" الأميركية للطاقة، والتي تستثمر في حقول الغاز الصخري الجنوبية بولاية تكساس. أما السبب الثاني الذي يثيره المدافعون عن التوسع في إنتاج الغاز الطبيعي المحلي، فيتلخص في قولهم إن من شأن هذا الإنتاج أن يوفر مزيداً من الوقت للولايات المتحدة وبقية الدول الصناعية الأخرى التي تعتمد حالياً على موارد الطاقة الأحفورية، يمكنها من تسريع إنتاجها لموارد الطاقة النظيفة المستدامة على نحو أفضل تنظيماً وأكثر جدوى اقتصادية. ويرى دعاة هذا الرأي أنه يمكن لإنتاج الغاز الطبيعي المحلي أن يكون جسراً للانتقال من نمط الاقتصاد الكربوني الحالي، إلى اقتصاد الطاقة الجديدة البديلة، غير القائمة على الكربون. ثم إن هناك آثاراً استراتيجية بعيدة المدى لهذا التحول من نمط الطاقة الأحفورية. ولعل أهمها تفادي إنشاء منظمة "أوبك" جديدة للدول المنتجة للغاز الطبيعي، وهو ما اقترحه بوتين في فبراير 2007. فكلما ازداد انفتاح سوق الطاقة العالمية على التنافس وأصبحت أكثر شفافية، تراجعت قدرة الدول المنتجة للطاقة والاتحادات معاً على فرض نفوذها السياسي. ولذا فمن المتوقع أن نسمع الكثير عن التوسع في إنتاج الغاز من الصخور الطينية الأميركية في المستقبل القريب.