إذا صدَقت التقارير الأميركية حول رصد تحركات رئيس وزراء لبنان من أجل استهداف حياته، فإن الأوضاع في هذا البلد قد تنفجر إلى مدى لا يعرف حجم اتساعه إلا الله. ذلك أن مناوئي الحريري يحاولون أن يفرضوا عليه إدانة المحكمة الدولية -وهو برأيهم يشكل إجماعاً سياسيّاً لبنانيّاً لمعارضة تلك المحكمة. وقد أشارت المصادر إلى أن من المحتمل ألا يصمد اتفاقُ أمن في لبنان في الوقت الذي يريد فيه بعض اللبنانيين "تمييع" قرارات مجلس الأمن. وكان الرئيس اللبناني ميشال سليمان قد أكد أن "ما يتسرب عن القرار الاتهامي للقاضي دانيال بلمار حول قضية اغتيال رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري لن تؤدي إلى تدهور الأوضاع في البلاد كما يخشى البعض". ويأتي هذا التصريح في وقت تواصل فيه سوريا والسعودية جهودهما من أجل تهدئة الأوضاع في لبنان؛ حيث صرح وزير الخارجية السوري بأن "الاستقرار اللبناني لا يصنع في الخارج وإنما يصنعه اللبنانيون أنفسهم.. سوريا والسعودية تشجعانهم وتنصحانهم بذلك، ولكن عليهم هم أنفسهم أن يقوموا بالدور الرئيسي، وأن يزيلوا أسباب عدم الاستقرار والتوتر". وفي ذات الوقت فإن لـ"حزب الله" موقفاً آخر غير ذلك الذي ينتهجه "تيار المستقبل" بزعامة الحريري. فقد ورد على لسان مسؤول العلاقات العامة في "حزب الله" عمار الموسوي: أن "الوضع اللبناني ينتظر عود ثقاب ليشتعل"؛ وأكد على ضرورة بحث موضوع "شهود الزور أولاً" قبل الذهاب إلى المحكمة الدولية، وأشار إلى أنه قبل بحث هذا الموضوع لابد أن تتوقف كل المسارات. وكان نائب الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم قد دعا سعد الحريري إلى استثمار علاقاته الإقليمية والدولية لمنع صدور قرار اتهام ضد "حزب الله" عن المحكمة الخاصة باغتيال رفيق الحريري. وأشار إلى أن "الحزب لا ثقة لديه بالمجتمع الدولي لأن هذه المحكمة فيها مشكلة". كما اتهم قاسم فرع المعلومات التابع لقوى الأمن الداخلي اللبناني بتسريب معلومات عن قضية اغتيال الحريري أسهمت في توجيه الاتهام للحزب. ويأتي ذلك ردّاً على رفض الحريري أية تسوية أو تراجع بشأن المحكمة الدولية. معلوم أن هنالك انقساماً لبنانيّاً حول المحكمة الدولية، ففي الوقت الذي يتمسك فيه "تيار المستقبل" وحلفاؤه بهذه المحكمة ويؤيدها، فإن فريقاً آخر وحلفاءه يرون أن المحكمة "مُسيَّسة" وأن القرار الظني المتوقع أن يصدر عنها سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار في لبنان -وهو موقف "حزب الله" وحلفائه. والسؤال هنا: ماذا يريد الساسة اللبنانيون وراء هذه الانقسامات، ولماذا عدم الثقة في المحكمة الدولية؟ وهي جهة مرجعية للعديد من القضايا المماثلة! ولماذا يتم تصديق المحكمة والفرح بقراراتها إن أعلنت إدانة عدو!؟ والكفر بها وتكذيبها إن أعلنت إدانة صديق؟ إنها لعبة السياسة التي تعصف بهذا البلد الجميل، الذي كثيراً ما عاني من الويلات وطغيان الدويلات المتناحرة فيه. فعلى رغم اتفاق الطائف، والاستبشار الجميل باتفاق الدوحة، وما بذل من جهد لإنقاذ لبنان من حرب طائفية، وعودة الزعماء متفقين من الدوحة، إلا أنه يبدو أن الحسابات الطائفية والمأسسة الحزبية للطوائف اللبنانية لا تعترف بأية اتفاقات، مهما كان ثمنها، وأن كل طرف على حق والطرف الآخر على باطل. وتلك حتمية الصراع الطائفي في لبنان. لقد هاجر من لبنان بعد حرب 2006 أكثر من عشرين ألف لبناني إلى دولة خليجية؛ ولربما إلى بعض البلدان العربية الأخرى، فهل يريد اللبنانيون أن يخرجوا كلهم من بلدهم كي تسنح الفرصة لإسرائيل للانقضاض عليه، بحكم عدم وجود سكان فيه! أم أن بعض القوى ومنها "حزب الله" تريد أن تكون هي الحاكم الآمر في لبنان، مع إهمال بقية الطوائف أو الاستحقاقات التاريخية والدستور اللبناني نفسه! بالطبع لن تقف إسرائيل مكتوفة الأيدي تجاه أي تحرك من هذا النوع! وهي تدرك أن الحرب العقائدية تختلف جدّاً عن حرب البقاء، وأن بلاغة اللغة العربية لن تقف أمام الدبابة والصاروخ الإسرائيلي. ولقد قدمت إسرائيل بعض الدروس المؤلمة للبنان سواء في 1982 وحتى 2006! والمطلوب من اللبنانيين؛ إن أرادوا تجنّب ويلات حرب أهلية، ولربما إقليمية، تدخل فيها إسرائيل أو إيران، أن يعيدوا الاعتبار لانتمائهم الوطني، وأن يتخلوا عن الفئوية الضيقة التي ثبت أنها لن تحمي لبنان، ولن تحافظ على أمنه واستقراره. فالانتماء للوطن أولاً وليس للفئة أو الحزب أو التيار! وما لم يتم ذلك، فإن مواطنة اللبنانيين ستبقى منقوصة، ويسهل بذلك "إشعال عود الثقاب" الذي أشار إليه المسؤول في "حزب الله" كما تقدم. إن من حق لبنان ومن حق الحريري الكشف عن مغتالي والده، وهو والد لبنان وبانيه الذي فقد لبنان برحيله رجلاً ما زالت مكرماته مستمرة لعشرات الآلاف من اللبنانيين، وهو الذي أعاد الوجه المشرق للبنان بعد الدمار الذي خربه المتناحرون بلا هدف. وعلى كل القوى اللبنانية والأحزاب أن تؤيد جهود الحريري في ضرورة الكشف عن المجرمين الذين اغتالوا والده وخططوا لذلك العمل الجبان. كما أن تبادل الاتهامات والتخوين، خصوصاً بعد قرب صدور قرار المحكمة، يدل دلالة واضحة على أن بعض الأطراف متخوفة من نشر أسماء منتسبيها وضلوعهم في ذلك العمل الجبان. وهنالك قانون لبناني وآخر دولي يمنع القتل الحرام، وينص على أن القاتل يجب أن ينال جزاءه مهما كان. وقد يكون من المفيد أن يجرى استفتاء شعبي حول هذه القضية، ماذا يريد الشعب اللبناني، لا ماذا يريده حزب من الأحزاب؟ هل يؤيد الشعب اللبناني قرارات المحكمة؟ إذا قال الشعب كلمته في هذا الموضوع فلتسكت كل الأصوات التي تزرع الفتنة وتثير الشكوك وتشوه هيبة الدولة اللبنانية. ونحن نقبل تفاؤل الرئيس اللبناني، حول عدم تدهور الأوضاع في لبنان، بشيء من الحذر؛ لأن الشياطين في ذلك البلد لا يريدون للناس أمانا ولا استقراراً.