أشك في أن يكون الكثيرون في العالم العربي يعتقدون حقاً بأن مفاوضات السلام الحالية بين العرب وإسرائيل ستذهب إلى أبعد مما وصلت إليه؛ كما أشك في أن أي تقدم حقيقي قد تم إحرازه. والأكيد أن لا أحد يريد أن يتحمَّل مسؤولية الفشل النهائي، غير أن استمرار إسرائيل في توسيع مستوطناتها غير الشرعية، على الأرض التي تُعد ضرورية لقيام دولة فلسطينية، ينبغي أن يحمَّل المسؤولية في رأيي. وعندما تحدث القطيعة، فلابد أنه سيكون ثمة احتمال كبير لاندلاع حرب بين "حزب الله" و"حماس" (وربما إيران أيضاً) من جهة، وبين إسرائيل من جهة ثانية، وذلك بالنظر إلى أن حدة التوتر في المنطقة كانت مرتفعة طيلة العام، والمسؤولية عن إطلاق القذيفة الأولى قد تقع على أي من الجانبين، لاسيما في وقت تشتبه فيه أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والأميركية في قيام سوريا بنقل صواريخ "سكود" إلى "حزب الله" في لبنان، بينما تعمل إيران على إغراق الموجات الهوائية بالبروباجندا المناوئة لإسرائيل والحديث عن "الهجوم الأخير على الدولة الصهيونية". ومما لا شك فيه أن الجانبين يستعدان منذ فترة للحرب، وثمة تلميحات إلى أن إسرائيل تبحث إمكانية توجيه ضربة جوية لأحدى قوافل الأسلحة أو مواقع الصواريخ أو مستودعات التخزين التابعة لـ"حزب الله". غير أنه من الواضح أن الولايات المتحدة حريصة على ألا تحدث مثل هذه الضربة قبل مفاوضات السلام أو خلالها. كما يمكن أن نفترض أن الولايات المتحدة تتحدث مع السوريين أيضاً، رغم أنه لم يعد لأميركا تأثير كبير اليوم على دمشق. ويذكر هنا أن سوريا وإسرائيل مازالتا في حالة حرب، بينما ترفض إسرائيل تطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي وتحتل أراضي عربية. لكني أعتقد أن الحملة العسكرية الإسرائيلية على لبنان، والتي دامت 34 يوماً في صيف عام 2006، قد أظهرت أن إسرائيل لا تملك جواباً شافياً على قذائف "حزب الله"؛ ذلك أنه على مدى شهر ونيف خاضت القوات الإسرائيلية، التي تعد رابع أقوى جيش في العالم، حرباً طاحنة ضد مقاتلي الحزب، وكان الرأي العام الإسرائيلي يؤيد عملاً حازماً وحاسماً؛ لكن جل الإسرائيليين باتوا اليوم يرون أنها كانت أسوأ حرب خاضها جيشهم منذ قيام إسرائيل. ورغم أن إسرائيل سبق أن تحاربت مع "حزب الله" لسنوات في لبنان، فإني أشك في أنها قد وجدت طريقة فعالة لمواجهته في 2010؛ ذلك أن إسرائيل تعتمد على القوة الجوية، في حين أن "حزب الله" ليست لديه البنى التحتية العسكرية التي تتوفر عليها الدول عادة، مثل المطارات والثكنات. ومما لا شك فيه أيضاً أن إسرائيل تخطط اليوم لعبور نهر الليطاني، في حال اندلاع حرب جديدة، ونشر دباباتها في وادي البقاع، إلا أنه لابد من الإشارة هنا إلى أنه أُعلن في عام 2006 أن الدبابات الإسرائيلية ستتقدم إلى ذلك النهر، والحال أن المناوشات مع مقاتلي "حزب الله" الانتحاريين، داخل الحدود اللبنانية ببضعة كيلومترات فقط، استمرت حتى وقف إطلاق النار. وتحت قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، الذي أنهى حرب 2006، كان يفترض أن يكون تسليح "حزب الله" محظوراً؛ بعد أن أطلق الحزب في حرب 2006 حوالي 4 آلاف قذيفة على شمال إسرائيل. غير أنه يُعتقد أن "حزب الله" بات يمتلك اليوم أكثر من 40 ألف قذيفة وصاروخ، من "كاتيوشا" إلى صواريخ "إم 600" متوسطة المدى، علماً بأن هذه الأخيرة قادرة على إلحاق خسائر معتبرة بإسرائيل على اعتبار أن مداها يبلغ 300 كيلومتر ويمكن أن تحمل رأساً حربية تزن نصف طن. ثم إنه إذا كانت قذائف "حزب الله" غير دقيقة أحياناً، فإن هذه الصواريخ تتميز بدقة أكبر بكثير. والأكيد أنه لا يوجد قائد عسكري يرغب في مواجهة خصوم من اتجاهين معاكسين؛ وفي هذه الحالة، فإنه يخطط دائماً لحملتين مختلفتين. وكان وزير الخارجية الإسرائيلي ليبرمان زعم في مايو الماضي أن كوريا الشمالية حاولت تهريب أسلحة إلى "حماس" في قطاع غزة، لكن من المعلوم أن "حماس" حصلت على مئات الصواريخ الجديدة عبر الأنفاق، ويمكن أن نتوقع مشاركتها في الحرب؛ حيث باتت تتوفر على قذائف "كاتيوشا" بمدى يبلغ 13 ميلاً وصواريخ "فجر 3" التي يبلغ مداها 25 ميلاً. والجدير بالذكر في هذا السياق أن أكثر من 500 ألف إسرائيلي يعيشون اليوم داخل نطاق يمكن أن تبلغه قذائف "حماس" وصواريخها؛ وقد سبق لمدينة "بير شيبا" الواقعة على بعد 25 ميلاً عن قطاع غزة، أن تعرضت لضربات صاروخية من قبل. ورغم أن إسرائيل تقوم بإنشاء نظام متطور مضاد للصواريخ يدعى "القبة الحديدية"، نظام يزعم خبراء الدفاع الإسرائيليون أنه "سيغيِّر اللعبة"، فمن الواضح أنه لا يستطيع أن يضمن حماية تامة على الجبهتين. لكن، هل ستقعد إيران في الخلف وتترك "حزب الله" و"حماس" يخوضان الحرب ويتكبدان الإصابات؟ الجواب بالإيجاب على هذا السؤال مغر، لكن إذا بدا أن "حزب الله" سيتعرض لخسائر بالغة، فالمرجح أن إيران سوف تتدخل، وخوض حرب ضد إسرائيل من شأنه الإبقاء على تلاحمها الداخلي وعلى الحكومة الإيرانية ذاتها مستقرة. وفي تقديري أن إسرائيل ليست مستعدة للتخلي عن الأرض من أجل السلام في طاولة المفاوضات. والحال أنه إذا كان الأمر كذلك، فستضطر لمواجهة حرب تلو أخرى مع "حزب الله" و"حماس"، المدعومين من قبل إيران، بشكل مباشر أو غير مباشر. وعلى أي حال، فمن المستبعد أن تقضي إسرائيل على "حزب الله" الذي يحظى بدعم كبير من الشيعة في لبنان وغيرها؛ كما أنه من المستبعد أن تخرج من مثل هذه الحرب أفضل حالاً.