يجيد بعض الموظفين في مؤسساتنا المحلية "فن التهرب" من الأداء الوظيفي بشكله الصحيح، معتبرين ذلك نوعاً من الشطارة أو الفهلوة التي تتطلب مهارات لا يمتلكها الكثيرون. وكلما تمكن هذا الموظف من تقليل عطائه وإنتاجيته اليومية ازداد شطارة، بل إنه يقاوم بكافة الوسائل "القتالية" في الوظيفة ويدخل في مساومات كي لا يؤدي عمله بالشكل الذي يجب، أو على الأقل لكي "يحلل لقمته" كما يقال، بل أحياناً يستخدم لغة يشعرك فيها بفضله على المؤسسة وأن الأمر ليس مصلحة متبادلة بين المؤسسة والموظف. وكل ذلك من أجل ألا ينتج. وفي المقابل تجده يعطيك دروساً في الأخلاق وأمانة الضمير الوظيفي، ويشرح لك كيف تتقدم المجتمعات الأخرى ويضع ذلك في إطار نظريات وبحوث، حتى تعتقد أنك أمام موظف "من جمهورية أفلاطون الفاضلة"، لكن ما أن تدخل معه في إطار تكليف أو عمل حتى تبدأ المعاناة والمقاومة بكل الوسائل التي يمتلكها، وعلى مراحل ضمن سياسة "الشد والجذب". يحدث ذلك وهو يدرك أنك تعرف تفاصيل العمل، لكنه يتمنَّع كي لا تعتاد مطالبته بالإنتاجية التي تطمح لها، لذا تجد أكثر وقت المسؤولين الذين يؤمنون بالإقناع والحوار يضيع في المساومات والمفاوضات مع ذلك النوع من الموظفين. لجوء الدولة إلى خصخصة بعض قطاعاتها، أو دمج بعض الأقسام، أو العمل على إيجاد أقسام الرقابة الداخلية "تدقيق وجودة"، إنما يهدف لمعرفة الحاجة الحقيقية لها، وكذلك الاستفادة من الطاقات الموجودة في المؤسسات، على الأقل من باب حقوق وواجبات الموظف. والمؤسف أن هذه الشطارة أو "الفهلوة" الوظيفية تجدها حاضرة اليوم في العديد من مؤسساتنا المحلية، وأعتقد أنها كذلك في باقي الدول العربية باعتبار أننا "كلنا في الهمِّ عرب". وقد بدا، أمام هذه الفهلوة، غياب الموظف صاحب الضمير، الذي يرغب في تأدية عمله بأمانة وحرفية، وإلا فسوف يحارب من قبل زملائه الذين يحاولون أن يضعوه في "خريطة الطريق" الخاصة بهم، وإلا فإنه سيواجه عداوات ومضايقات شبه يومية. والمشكلة أن هذه النوعية من الموظفين نفَسها طويل، والمأساة أنه بمجرد أن يخرج الموظف من المؤسسة، بالاستقالة أو الإقالة، فإنه "يعاتبك"، كمسؤول، بأن المؤسسة التي عمل بها لم تكن تستفيد منه بالقدر الصحيح، وينسى كل المعارك التي كان يخوضها تهرباً من التكليف، وأن حجم العطاء لم يكن يتعدى نسبة بسيطة في يومه العملي، رغم أنك كنت تفرح عندما كان يقوم بذلك الجهد القليل. التهرب مهارة عربية حالها كحال العديد من حالات "عدم العطاء". والذي يستفزك، بل وأحياناً يغضبك، إن هذه اللغة باتت تتكرر بشكل يومي، وأصبح "التهرب" مهارة الناجح، وبات معظمهم يتكلم عنها بفخر واعتزاز، بل يتندرون بمن يعمل بإخلاص. والمفارقة التي نتعرض لها أن البعض منهم يطالبك بامتيازات ويتحامل عليك كمسؤول إذا لم تضعه في قائمة المميزين ويتهمك بمحاباة المُكرّمين. أعتقد أن هناك سببين لهذه "الفهلوة الوظيفية": الأول يعود إلى ثقافة الرقابة التي اعتادها الموظف العربي، فهو تحت الرقابة الوظيفية يمكن أن يعطيك أفضل ما عنده. أما السبب الثاني فيرجع إلى غياب التوصيف الوظيفي؛ فهاتان اللغتان يفهمهما الكثيرون منا. بل يقاس نجاح المسؤول في مسايرة من يتهربون أو في إجبار موظفيه على الإنتاج، رغم أن النظريات الإدارية الحديثة ترفض ذلك. الإمارات تستحق من كل فرد في المجتمع أن يرد بعضاً من جميلها بكل أمانة وظيفية، وليس بالشعارات.