عندما تسنح لك الفرصة لزيارة باريس، سيلفت انتباهك عندما تخطو بقدميك في اتجاه شارع "الشانزليزيه" الشهير، بكلمات عربية تخترق أذنيك تصدر من شخص يمرَّ بجانبك أو من مقهى يجلس عليه اثنان يتبادلان أطراف الحديث، أو من محل ملابس تُخاطبك البائعة فيه بالعربية، عندما تكتشف بخبرتها سحنتك الشرقيّة. من المعروف أن الجالية العربية الموجودة في فرنسا من أكبر الجاليات الأجنبية، وتعود أصول الأغلبية إلى دول شمال أفريقيا وتحديداً المغرب وتونس والجزائر، وهذا يعود إلى تغلغل الثقافة الفرانكفونيّة في نسيج هذه الدول اجتماعيّاً وثقافيّاً، مما جعل شعوبها أكثر ميلًا للهجرة إليها والارتماء في أحضانها. قد يخطر حينها في بالك سؤال فضولي: لماذا قاومت الدول العربية بشراسة نير الاستعمار، وضحّت بالغالي والنفيس، وقدّمت أرواح خيرة أبنائها في سبيل تحرير أوطانها، ما دامت شعوبها صار حلمها منحصراً في الهجرة إلى واحدة من البلدان الأوروبيّة التي اكتوت بنارها في الماضي؟! ما الدافع الرئيسي؟! هل هو الحنين إلى عبق الحريّة الذي تفتقد إليه أغلبية بلداننا العربية؟! هل هي الرغبة في الإحساس بآدميتها بعد أن تدنّت قيمة الإنسان العربي داخل أرضه؟ هل هو الهرب من نير التطرّف الديني الذي توغّل في بنية مجتمعاتنا مما دفع الأكثرية إلى الهجرة بحثاً عن الخلاص من قيوده؟ هل يُعتبر التطلّع إلى تحقيق الثراء هو الدافع الأكبر، أم أن السعي لتوفير لقمة العيش هي أقصى ما يحلم به المهاجر، بعد أن تضاءلت فرص العمل داخل أوطانه نتيجة الفساد المتفشّي إداريّاً وماليّاً؟ مساكين أبناء المهاجرين الشرعيين الذين نزح آباؤهم منذ عقود إلى أوروبا. هم يعيشون ممزقين بين هوية عربيّة مرسومة على ملامح وجوههم لكنهم لم يلمسوها يوماً بأيديهم ولم تقع عليها عيونهم، وبين هويّة غربية يحملونها في بطاقاتهم الشخصيّة مع هذا ترفض وجودهم! الحقيقة المرة التي يُواجهها الأبناء والأحفاد الذين وُلدوا وشبّوا في بلد أوروبي وفتحوا عيونهم على مناخ الغرب وتغذّوا من خيراته ولم يعرفوا غيره، أنهم يقفون عاجزين، حاملين وزر عروبتهم على ظهورهم أينما حلّوا! لذا يشتكي الكثير من أبناء المهاجرين العرب أن فرص العمل تتقلّص أمامهم وتكاد تكون معدومة نتيجة أسمائهم العربية! ويعانون من الفقر والبطالة خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي جعلت الكثير من الدول الأوروبية تنظر بعين الريبة والشك لكل من يحمل اسماً عربيّاً، كأن في جيوبه قنبلة جاهزة للانفجار بأي لحظة! المحاكم الفرنسية تقوم سنويّاً بفرنسة مئات الأسماء العربية، حيث يضطر الكثير من الشباب المهاجر إلى اللجوء لهذه الوسيلة حتّى يتسنّى لهم العيش عيشة كريمة ويضمنوا حقوقهم المدنيّة كأي مواطن فرنسي. كما ينصح المهاجرون بعضهم بعضاً عند تعبئة بيانات طلب العمل بعدم وضع العنوان المألوف الذي تسكن فيه الجاليات العربية، إذا أراد أحدهم الحصول في نهاية الأمر على وظيفة مرموقة ولا ينضم إلى فئة العاطلين عن العمل! الاستعمار أياديه ملوثة بالدماء، وما اقترفته فرنسا في حق الدول التي استعمرتها من نهب لثرواتها وتعذيب لمناضليها على مدى عقود، يُحتّم عليها التكفير عن ماضيها، والاعتذار عمّا اقترفه أسلافها من جرائم. لكن السؤال المحيّر الباحث عن إجابة مقنعة. كيف نطلب العدالة واسترجاع حقوقنا من الغرباء، والمواطن العربي لا حول له ولا قوة! حقوقه مسلوبة، وجناحاه مقصوصان، وظهره محني، ولا يملك القدرة على التحليق في فضاءات بلاده! العدالة جميلة بشرط أن تُشرق بداية من أرضنا العربية!