يحفل عالم النشر بالعديد من الكتب التي يدعي مؤلفوها أن الاقتصاديين لم يخفقوا فحسب في التنبؤ بالأزمة الأخيرة، وإنما كانوا أيضاً غافلين عن مظاهر عدم الاستقرار الواضحة في النظام المالي العالمي، والتي كانت تنبئ بكارثة قادمة حتماً على الطريق. ليس هذا فحسب بل إن المؤلف"ها -جوون تشانج"، خبير الاقتصاد السياسي، في كتابه:" ثلاثة وعشرون شيئا لم يخبروك عنها بشأن الرأسمالية"، يذهب إلى أن بعض كبار الاقتصاديين قادوا حكومات وشركات إلى أوضاع شبه كارثية، بحيث يمكن القول إن "علم الاقتصاد، وبالطريقة التي مورس بها في العقود الثلاثة الماضية، كان شديد الضرر على الجميع بدون استثناء". ويسخر "تشانج" من أحد المعتقدات "الأرثوذكسية" المركزية لعلم الاقتصاد الحديث، والذي يتلخص في القول بأن حرية التجارة العالمية تعني تلقائياً رفع مستوى المعيشة لكافة سكان العالم، ويكشف حماقات المفكرين الاقتصاديين التقليديين. وسيعلم القراء من خلال ذلك مثلاً، أن سياسات الأسواق الحرة نادراً ما تجعل الدول الفقيرة أكثر غنى، وأن الشركات العالمية من دون جذور وطنية، شيء ينتمي إلى عالم الخرافة أكثر مما ينتمي إلى عالم الواقع، وأن مستوى المعيشة في الولايات المتحدة ليس الأعلى في العالم، وأن غسالة الملابس غيرت العالم أكثر مما فعلت الإنترنت، وأن المزيد من التعليم لا يجعل الدول أكثر غنى بالضرورة، وأن الأسواق المالية بحاجة لأن تصبح أقل كفاءة! قد يتبادر إلى ذهن من يقرأ هذا الكلام أن "تشانج" من أعداء الرأسمالية، لكن ذلك غير صحيح. فالحقيقة أن الرجل من كبار النقاد للرأسمالية وتجاوزاتها، وللأوهام التي يحاول بعض دهاقنة اقتصاد السوق ترويجها لخدمة حكومات أو شركات عالمية قبل أن يثبت الواقع أن تلك الأوهام كانت سبباً مباشراً لانهيار تلك شركات ودول. بيد أن انتقاده لا يقتصر على الرأسمالية، وإنما يوجهه كذلك للاقتصاد المخطط مركزياً، ويقول إن الرأسمالية ورغم كافة عيوبها ونقائصها، تعد النظام الأقل سوءاً مقارنة بباقي الأنظمة، وأنها أثبتت أنها قادرة دوماً على إصلاح نفسها، وتدارك أخطائها والنهوض مجدداً، والتعافي من آثار الكوارث المدوية التي تعرضت لها عبر تاريخها، وآخرها الأزمة المالية التي يشهدها العالم حالياً. ويقول "تشانج" إن الشفافية الكاملة ليست الشيء الوحيد الذي يجب تبنيه من أجل الخروج من براثن التداعي المالي الحالي، وإنما أيضاً ينبغي العمل من أجل منع استخدام الأدوات المالية المعقدة كتلك التي كان يتم استخدامها قبل الأزمة الحالية، والتي كان يصعب حتى على بعض المختصين فهمها. هذا التحليل، وإن كان صحيحاً من الناحية النظرية، وإلى حد ما العملية، فإن تنفيذه قد يواجه ببعض الصعوبة، بدليل أن الرئيس أوباما لم يجد من يعتمد عليه في خطته للإصلاح المالي، سوى نفس الأشخاص الذين يرتبطون ارتباطاً وثيقاً بوول ستريت، والذين ينتمون إلى تلك الطائفة من خبراء الاقتصاد والمال الذين تخلوا، في عهد الرئيس الأسبق كلينتون، عن كافة المحاذير والضوابط المالية التي كان روزفلت قد وضعها لضمان عدم تكرار كارثة "الكساد الكبير". ويقول إن المشكلة الآن هي أن السياسة الأميركية أصبحت رهينة بأيدي قلة من خبراء الاقتصاد الذين لا تدل أفكارهم على وجود أي أمل في إصلاح ذي معنى. ويعترف" تشانج" أن جانباً من الصعوبة التي تكتنف عملية الإصلاح، يرجع إلى حقيقة قد تغيب عن أذهان الكثيرين، وهي أن الرأسمالية ليست رأسمالية واحدة وإنما هناك عدة رأسماليات، لكل منها سماتها الخاص وإن اتفقت من حيث الأساس، وإن لكل رأسمالية طريقتها الخاصة في تنظيم السوق، كما أن كلاً منها تهدد الأخرى في عدد من المجالات... وإن عدداً كبيراً من الصراعات المحتدمة في مناطق العالم حالياً سببها التنافس الخفي والعلني بين تلك الرأسماليات، وسعي كل واحدة منها لفرض أجندتها على الآخرين. ويضرب المؤلف مثالاً على ذلك بالقول إن أفغانستان لن تنعم بالسلام بعد رحيل القوات الأجنبية، كما يعتقد، بل ستتحول إلى ساحة للصراع بين الدول المجاورة، وكل دولة من هذه الدول سوف تحاول الاستئثار بأكبر قدر من الثروات غير المكتشفة هناك. سعيد كامل الكتاب: "ثلاثة وعشرون شيئاً لم يخبروك عنها بشأن الرأسمالية المؤلف: ها جوون تشانج الناشر: الين لين تاريخ النشر: 2010