في عام 2006 عندما ترك روبرت جيتس منصبه كرئيس لجامعة "تكساس إيه آند إم" ليصبح وزيراً للدفاع، وضع في حقيبته ساعة خاصة للعد العكسي للأيام والساعات والدقائق حتى 20 يناير 2009، وهو التاريخ الذي تنتهي فيه ولاية الرئيس بوش، ويستطيع فيه جيتس الابتعاد عن ضغوط الحياة العامة وشجونها والتقاعد بمنزل عائلته في الشمال الغربي على ساحل المحيط الهادي. وقد انتهى ذلك العد العكسي منذ وقت طويل، لكن الآمال في تقاعد جيتس مازالت حية وقائمة. جيتس مازال يتحدث عن مخططاته للتنحي، وكانت آخر مرة فعل فيها ذلك خلال حوار مع مجلة "فورين بوليسي"، وفي إيجاز للبنتاجون الشهر الماضي عندما أكد على رغبته في المغادرة العام القادم. وعندما سيترك جيتس المنصب، ستكون لدى الرئيس أوباما فرصة للقيام بشيء مهم بالنسبة لحزبه ولبلده، ألا وهو تعيين ديمقراطي في منصب وزير الدفاع. غير أن مثل هذه الخطوة ستكون معاكسة لعادة ديمقراطية تتمثل في تعيين جمهوريين في أعلى مناصب الأمن القومي، وهو ميل يعزى إلى نقص في الثقة بخصوص الحفاظ على أمن أميركا. فمنذ ولادة بلدنا، قام حوالي واحد من كل ثلاثة رؤساء ديمقراطيين بتعيين وزير حرب جمهوري. وبالمقابل، فإن رئيساً جمهوريا واحدا فقط قام بتعيين ديمقراطي في هذا المنصب؛ وكان ذلك خلال أول إدارة جمهورية عندما قام لينكولن بضم وزير الحرب إدوارد ستانتون إلى إدارته. إن ما يبدو عدم استعداد من جانب الديمقراطيين لتشكيل فريق مدني للأمن القومي ذي لون سياسي واحد، يُظهر نقصاً مقلقاً في الثقة بالنفس ولا يخدم حزبهم أو بلدنا، وذلك لأن أميركا تكون أفضل حالاً عندما يُظهر كلا الحزبين كفاءة بخصوص القضايا التي تواجه البلاد. هذا ليس انتقادا لجيتس؛ فهو خدم بلده ورئيسه على نحو يستحق عليه التقدير، ودعم العديد من أهداف سياسة أوباما الخارجية مثل تحويل تركيز الجيش إلى الحرب في أفغانستان. كما يُشهد له في كلا الحزبين بأنه واحد من أفضل وزراء الدفاع في تاريخ البلاد. عندما وصل أوباما إلى البيت الأبيض وطلب من جيتس البقاء في منصبه، كانت الولايات المتحدة تخوض حربين وحملة عالمية ضد التطرف والإرهاب. وكانت ثمة أسباب وجيهة لـ"عدم تغيير الحصان وسط النهر"؛ غير أن ذلك لم يكن قراراً حتمياً، لأن نيكسون، مثلاً، اتخذ قراراً مختلفاً عندما تسلم المسؤولية عن حرب فيتنام من جونسون، حيث غيَّر كل أعضاء الإدارة وعيَّن جمهوريين في كل المناصب. آخر جمهوري عمل وزيراً للدفاع في إدارة رئيس ديمقراطي كان كوهن في إدارة كلينتون. وكان كلينتون قد بدأ بديمقراطيين في ذلك المنصب هما: ليس آسبن الذي شغل المنصب لفترة قصيرة، ثم بيل بيري. لكن عقب هزيمة "لا تسل، لا تقل" والعمليات الأميركية الفاشلة في الصومال وحادث "سقوط مروحية بلاك هوك" هناك، لم يكن كلينتون يرغب في معارك كثيرة مع البنتاجون؛ وكانت إحدى الطرق لتحصين إدارته هي تعيين جمهوري على رأس وزارة الدفاع. غير أن البيت الأبيض في عهد كلينتون كان كريماً مع الديمقراطيين بطرق أخرى، حيث قام بملء العديد من المناصب في الوزارة بديمقراطيين شباب لامعين من أمثال كُرت كامبل، وميشيل فلورنوي، وسوزان رايس، وسارة سيوال، وجيمس شتينبُرج. والواقع أن وجود هذه المجموعة القوية هو أحد الأسباب التي تجعل ما يبدو افتقاراً للثقة بالنفس من جانب الديمقراطيين بخصوص الأمن القومي يبدو غريباً. وثمة ثلاثة تفسيرات ممكنة. الأول والأكثر بديهية يتعلق بـ"هوة الأمن القومي" التي ظهرت بعد حرب فيتنام، حيث بات الجمهور عموماً أكثر تشككا في قدرة الديمقراطيين على الحفاظ على أمن البلاد. وفي هذا الإطار، تُظهر سلسلة من استطلاعات الرأي التي أجراها "مشروع ترومان للأمن القومي" تأخرَ الديمقراطيين وراء الجمهوريين بخصوص ثقة الجمهور في الحزبين بشأن الأمن القومي بـ20 مقابل 40 نقطة منذ 1968. ورغم أن فترة بوش الابن الرئاسية قد ضيقت تلك الهوة، فإن استطلاعاً للرأي في مارس 2010 أجرته "هيئة الديمقراطية" و"الطريق الثالث"، وجد أن الديمقراطيين مازالوا متأخرين بـ17 نقطة. والثاني: هل يكمن تفسير ذلك بإمكانية أن يكون لدى الجمهوريين تفوق بالفعل على الديمقراطيين في شؤون الأمن القومي؟ قطعاً لا، ذلك أن ثمة العديد من الديمقراطيين المخضرمين الذين اكتسبوا تجربة غنية خلال الإدارات السابقة ينتظرون مغادرة جيتس: فلورنوي التي تعمل في البنتاجون كمساعدة لوزير الدفاع لشؤون السياسات، ووزير البحرية السابق ريتشارد دانزيج، وجون هامري رئيس "مجلس سياسة الدفاع" والذي سبق أن عمل كنائب لوزير الدفاع، وهيلاري كلينتون التي لا تحتاج لتقديم... وبالتالي، فدكة الحزب الديمقراطي مليئة بالمواهب والخبرات. الثالث: قد يكون السبب هو أن الديمقراطيين يسعون جاهدين للحفاظ على السياسة الخارجية بعيدة عن الانقسام والتشاحن الحزبي. فمن أجل أصدقائنا وخصومنا معاً، من مصلحة الولايات المتحدة أن يُنظر إليها على أن لديها مبادئ واستراتيجيات ثابتة يتفق عليها الحزبان. لكن الحزب الديمقراطي فقط هو الذي يحرص على أن "تتوقف السياسة عند حافة الماء"، مثلما قال السيناتور آرثر فاندنبرج في بداية الحرب الباردة؛ حيث يجادل العديد من الديمقراطيين بأنهم أكثر استعداداً لتجاوز الخطوط الحزبية من نظرائهم الجمهوريين. ويشدد أوباما على رغبته في العمل مع الجمهوريين. ثم إنه حتى إذا كان هذا الدافع قوياً ووجيهاً، فأن يسعى الديمقراطيون للتعاون مع الجمهوريين من أجل صياغة سياسات، شيء، وأن يتنازلوا عن منصب قيادي لمنافسين سياسيين شيء آخر تماماً. إن الديمقراطيين يواجهون مأزقاً مركزياً اليوم: ذلك أنهم لن يكونوا محل ثقة الجمهور بخصوص الأمن القومي حتى يبلوا بلاءً حسناً كوزراء دفاع؛ غير أنهم لا يملؤون هذا المنصب بديمقراطيين لأنهم لا يحظون بالثقة بخصوص الأمن القومي. وعليه، فقد آن الأوان لكي يُظهر الديمقراطيون الثقة بخصوص قضايا الأمن القومي. هذا لا يعني أن عليهم أن يتبنوا الغطرسة التي طبعت العديد من قرارات إدارة بوش المتعلقة بالسياسة الخارجية أو أن يتجنبوا العمل مع زملائهم من الجمهوريين؛ وإنما يعني، مثلما قال روزفلت في خطاب تنصيبه الرابع عامَ 1945، أن رؤية الأمن القومي تتطلب الفهم والثقة والشجاعة التي تنبع من القناعة". والواقع أن الديمقراطيين لديهم الفهم والقناعة، لكن مازال عليهم أن يُظهروا قدراً مماثلاً من الثقة والشجاعة. تامي شولتز ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مدير "الأمن القومي والحرب المشتركة" بالكلية الحربية التابعة للبحرية الأميركية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس"