إن الرؤية المرجعية هي أن الاختلاف موجود وقائم، وهذه سنة الله في خلقه «وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»، ويشير الإمام الطبري في تبيانه لطبيعة الاختلاف أن من المفسرين من ذهب إلى أنه اختلاف في الأديان ومنهم من ذهب إلى أن الاختلاف هو سبب خلقهم ليكون فريق منهم من أهل الجنة والآخر منهم من أهل النار. فمن أسباب خلق الخلق اختلافهم، ولا يمكن الاستشهاد بهذه الرؤية المرجعية القرآنية الكبرى وعدم الاتفاق حول الجوامع المشتركة، فهما عاملان لمعادلة توازنية واحدة، إذ كيف يمكن الإيمان بحقيقة الاختلاف الإنساني دون التفاهم حول الجوامع المشتركة، فالاختلاف قدر محتوم، والهدف من ذلك هو التعارف والتآلف، وإيمان الفرد ودينه يرجع قبولهما ورفضهما كما ثوابهما إلى الله سبحانه وتعالى «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ»، فلغة الإكراه غير موجودة في القرآن «لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ»، وهذه هي طبيعة المقاربة القرآنية السلمية بل والمصيرية لظاهرة الاختلاف بين البشر لأن نقيض ذلك سيؤدي إلى النزاع والصراع، وسيميت «ثقافة الحوار» التي تستوعب التعددية الفكرية والاعتقادية وتسلم بضرورة التعايش بين الأديان والانفتاح على ثمار الحضارات الإنسانية المتعددة. ثم إن من المغالطات الشديدة التي تعصف بالفكر الغربي، رد الأعمال الإرهابية التي يقوم بها بعض شباب المسلمين إلى طبيعة الدين الإسلامي، وربط بعض الفترات الاستثنائية التي مر بها المسلمون بنوع الحضارة العربية الإسلامية، فالتعاليم والتاريخ شيئان مختلفان، والتعاليم الدينية هي التي تحاكم أفعال الناس التي يقومون بها باسم الدين وليس العكس، فالآية الكريمة «كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً» هي التي تحاكم ذلك الإرهابي الذي يفجر نفسه وسط الناس الأبرياء سواء كانوا مسلمين أم لا، والآية صريحة لا لبس فيها، ثم إن ذلك الإنسان إذا لم يخضع لسلطان هذه الآية فإن القرآن يحدد عقوبته: «إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ». لا يتصور انطلاقاً من الرؤى المرجعية الإسلامية أن يتصارع الدين الإسلامي مع الدين المسيحي أو أن تتصارع الثقافة الإسلامية مع الثقافة الأميركية أو الفرنسية أو الصينية، بل يمكنها أن تتعايش على أساس التعارف والاعتراف المتبادل بالمصالح المختلفة والاهتمامات المتعددة؛ ثم إن الانزلاق الكبير والمتعمد يكمن في تحميل عبء الأوضاع المزرية التي تعرفها مناطق متعددة إلى الخصوصيات الحضارية، أو الثقافية أو الخصوصيات الدينية أو حتى إلى كل هذه الخصوصيات مجتمعة كما يروج لذلك مثلاً وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور في تبرير تصريحاته الخطابية والصحافية داخل إسرائيل وخارجها، وسعيه الدؤوب إلى تقويض عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية. فالمشكل ليس في الحوار الإسلامي- المسيحي أو الإسلامي- اليهودي أو الإسلامي- المسيحي -اليهودي حصرًا، ولكن الحوار أعم من ذلك، إذ يشمل الكليات والجزئيات في الدين والسياسة والاقتصاد والثقافة والميادين الاجتماعية، فيجب الارتقاء بمستوى الحوار من الحوار الديني أو الحضاري أو الثقافي إلى الحوار العالمي، فمشكل الهجرة الذي تخصص له الملايين من الدولارات وتجند له كل الحصون البشرية والمؤسساتية لا يمكن أن يعالج بين مختصي الديانات السماوية الثلاث، بل في إطار حواري عام يدعى إليه كل المختصين من جامعيين وأكاديميين وقانونيين وخبراء في مجال الهجرة لدراسة كل الجوانب وإيجاد كل الحلول في جزئيات المشاكل المطروحة. وإذا أخذنا مشكل إدماج المهاجرين المسلمين في الوسط الغربي، فكثيرة هي الملتقيات الدولية التي تؤول إلى الفشل لنقصان البعد الرؤيوي في تنظيمها أو تأطيرها. وعندما يطرح مختص غربي في علم الاجتماع مسألة صعوبة إدماج المهاجرين المسلمين في الفضاء الأوروبي مثلاً، اعتماداً على عوامل الدين والهوية والعقيدة، لا يجد في مناقشته إلا عالم الاجتماع المسلم المختص الذي يجيبه انطلاقاً من مشكل الهوية والإسلام في الغرب وعالم الدين المسلم، مبيناً له خطأ قرن الإسلام وفشل الإدماج. فالحوار الشامل أو الحوار العالمي هو الذي يسمح بطرح كل المشاكل والبحث عن القواسم المشتركة لحلها، وهذا لا يتأتى إلا إذا تم الاعتقاد بخطورتها وبالتالي وجود مصالح مشتركة في علاجها، وبفائدة نسج وشائج التقارب والتفاهم للوصول إليها. ويقيني أن كل ما كتبه برنارد لويس وصامويل هنتنغتون عن الصراع والإسلام هو مجرد نظريات وأقاويل وشُبه كتبت بالمداد، ودفع الشبه وقوادح الأدلة الأخلاقية ترد بالبراهين العقلية والحوار الرصين بعيداً عن اللجاجة والمكابرة واعتماد الآراء المشهورة من غير تمحيص. وهذه المغالطات هي في نظري الحافز الأول على الإسهام في تفعيل آلياته خلافاً لمن يدعي أن الاشتغال فيه مضيعة للوقت، فالحق يضاد الخطأ ولا يوافقه أو يشهد ضده، فكيف إذن يمكن الرد على ذلك الجامعي الأميركي، وكيف نغني فكر أولئك الطلبة الأوروبيين وهم يدرسون نظريات العلاقات الدولية إذا لم نغن الساحة الفكرية بمنتوجات تكشف عن مواطن الزلل في الفهم والتحريف للوقائع لمن لا يدركون مراميها؟ فأخطاء الفكر وكبواته وتصوره في إدراك الكثير مما هو خارج عن أفقه لا يقابل إلا بالفهم والإدراك والمعرفة العقلية الحصيفة المتحرية للحق، فلابد من إخراجها إلى الواقع تعبيراً وكتابة وتفعيلاً، وهذا مظهر صحي للفكر في القديم والحديث، وهذه هي الثقافة المولدة للحوار.