بأسرع مما توقع كثيرون أعلن رسميّاً انهيار المفاوضات المباشرة التي بدأت مطلع الشهر الماضي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فقد قررت القيادة الفلسطينية يوم السبت الماضي وقف المفاوضات المباشرة مع إسرائيل ردّاً على رفضها تجميد الاستيطان. ومن ناحيته أعلن ميتشل توقف المفاوضات المباشرة، إلا أنه أكد التزام الإدارة الأميركية بدعم المشاورات غير المباشرة بين الطرفين. وكنت قد نشرت في هذه الصفحة عدداً من المقالات يجزم بهذا المصير لأسباب معروفة وبديهية، والواقع أن الإلحاح الأميركي على ضرورة الانتقال إلى المفاوضات المباشرة كان مبنيّاً إما على سذاجة مفرطة (لأن نموذج العجز الأميركي عن الضغط على إسرائيل موجود منذ نشأتها)، وإما على أمل كاذب بأن يخفف هذا الجهد الأميركي من حدة الانتقادات الموجهة لأوباما في الداخل، ويساعده فيما هو مقبل عليه من تحديات داخلية في المستقبل. أما نتنياهو فكان يريد أن يكسب من هذه المفاوضات شرعية يحاجج بها أولئك الذين يملأون الدنيا صخباً حول السياسة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فها هو الرئيس الفلسطيني يجلس للتفاوض معه على رغم كل ما فعله ويفعله. وعلى رغم أن الجانب الفلسطيني قد خرج من هذه المفاوضات صفر اليدين إلا أنني أعتقد أنه كان أكثر الرابحين منها، أولاً لأنه فوّت على كل من الإدارة الأميركية ونتنياهو أن يحققا غرضهما من المفاوضات، وثانيّاً لأنه تفادى الاتهام بمسؤوليته -إذا غاب عن المفاوضات- عن إضاعة "الفرصة التاريخية" لبناء السلام، وثالثاً لأنه لأول مرة في تقديري خرج من المفاوضات دون أن يقدم تنازلاً جديداً، وبالذات فيما يتعلق بشرط وقف الاستيطان للبدء في المفاوضات. والواقع أن البعض يتساءل عن مغزى هذا "التشدد"، وما هو بتشدد بطبيعة الحال لأن من شأن استمرار المفاوضات دون جدوى مع تسارع الاستيطان أن نصل إلى نهاية الشوط وقد ضاعت كل فلسطين. لم يكن هذا المآل مفاجئاً لأحد، وإن كان لدى البعض من أنصار التفاوض أمل في أن تختلف طبيعة الجولة هذه المرة، ولا أحد يدري مصدر هذا الأمل، فالجديد الوحيد هو أوباما الذي أثبت بلا ريب أن توجهاته ليست سوى كلمات معسولة، وأنه غير قادر على تحويلها إلى أفعال في علاقته بإسرائيل، ومع ذلك فإن عباس في حديث له في 26 من الشهر الماضي تكفل بتبديد أمل هؤلاء، فوفقاً لهذا الحديث لم يكن هناك أي تقدم في موضوع وقف الاستيطان، بما في ذلك أن الأميركيين لم يقدموا شيئاً محدداً في هذا الصدد، والرئيس الأميركي في تقدير عباس "نياته طيبة" ومواقفه جيدة، ولكن العبرة بالتطبيق. في هذه الظروف يصبح حديث البدائل حيويّاً، لأنه ما لم تكن هناك بدائل فإن الموقف الفلسطيني يصبح عبثيّاً، فهو يرفض التفاوض لعدم وقف الاستيطان، لكن الاستيطان يمضي بوتيرة متسارعة بغض النظر عن المفاوضات، ولذلك لابد من بدائل يمكن من خلالها تحسين الوضع الفلسطيني. وتجدر الإشارة هنا إلى أن القيادة الفلسطينية في الاجتماع الذي أعلنت فيه انهيار المفاوضات المباشرة قد شكلت لجنة لدراسة الخيارات المتاحة أمامها، وفي مقدمتها خياران أولهما التوجه إلى مجلس الأمن للمطالبة بموقف دولي يلزم إسرائيل بوقف الاستيطان وتطبيق حل الدولتين، والثاني العمل على تحقيق الوحدة الوطنية الشاملة، على أن تعد هذه اللجنة توصياتها في تقرير يرفعه عباس إلى اجتماع لجنة المتابعة العربية المقرر انعقاده يوم 8 أكتوبر الجاري في مدينة سرت. وبالنظر إلى المواقف السابقة لهذه اللجنة فإن أقصى المتوقع منها هو أن تؤيد خيار اللجوء إلى مجلس الأمن باعتباره خطوة "تصعيدية"، ومع ذلك فليس متصوراً بطبيعة الحال أن يحدث المجلس اختراقاً في عملية التسوية السلمية يغضب إسرائيل أو حتى يضايقها لأن الاعتراض الأميركي سيكون بالمرصاد لأي قرار يتضمن هذا المعنى، وكلنا يذكر المآل الذي انتهت إليه اجتماعات المجلس السابقة التي عقدت بطلب من المجموعة العربية في الأمم المتحدة. وحتى لو توصل إلى قرار يرضينا نسبيّاً فإن تنفيذه يكاد يكون مستحيلاً، لأن مناطه الوحيد سيكون الضغط الأميركي على إسرائيل الذي أكدت جميع السوابق أنه لا يصل حتى إلى مستوى الطبل الأجوف. ويبقى البديل الثاني أي استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، وهو بديل بالغ الأهمية لأنه لا أحد يتفاوض بالنيابة عن الآخرين، ولو افترضنا جدلاً توصل جهود الرئيس الفلسطيني التفاوضية إلى نتائج معينة لاستحال إلزام "حماس" بها، وبذلك يبقى الحال على ما هو عليه. وقد سبقت الإشارة إلى نية لجنة دراسة الخيارات المتاحة العمل على تحقيق الوحدة الوطنية الشاملة، ومن حسن الحظ أن استئناف جهود تحقيق هذه الوحدة قد بدأ قبل إعلان انهيار المفاوضات المباشرة، وذلك باجتماع رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل مع وفد حركة "فتح" برئاسة عزام الأحمد عضو لجنتها المركزية، مساء الجمعة 21 سبتمبر الماضي. وقد بدا من الاجتماع أن هناك نهجاً جديداً لمناقشة المصالحة يحاول تجاوز عقبة اعتراض "حماس" على بعض ما ورد -أو لم يرد- في الورقة المصرية بالاتفاق على ملحق يتضمن كافة ملاحظات "حماس" ويكون جزءاً لا يتجزأ من الورقة المصرية، وبهذا يتم التوفيق بين مطالب جميع الأطراف. وقد كنت دائماً متشائماً من فرص إنجاز المصالحة بين الفصيلين الفلسطينيين المتصارعين سواءً لاختلاف النهج حول المقاومة والمفاوضات، أو لأن "حماس" تبدو أحياناً مشغولة ببناء سلطتها "الإسلامية" أكثر منها باستعادة الحقوق الفلسطينية، أما "فتح" فقد تم تحييد قواتها أصلاً في الصراع منذ توقيع اتفاق أوسلو 1993، وإن كانت ربما تخشى أن يؤول مصير الضفة الغربية إلى ما آلَ إليه قطاع غزة. ولكن الجديد هذه المرة هو أن نهج المفاوضات قد أثبت عقمه الكامل وبسرعة لافتة، وأن الرئيس الفلسطيني نصير التفاوض الأول، أصبح بحكم خبرته أقدر الناس على الحكم على تشدد الموقف الإسرائيلي، وعبثية التفاوض معه خاصة في ظل الظروف الراهنة. أما "حماس" فعلى رغم أنها تحظى بدعم دولي متزايد بسبب جريمة الحصار، إلا أن الرسالة الأهم ربما تكون قد وصلت إليها ومؤداها أن موقفها الراهن يهدد مستقبلها على نحو جذري، فقد تجد "حماس" نفسها فاعلاً صغيراً للغاية في أتون حرب إقليمية قد تشنها إسرائيل لإعادة ترتيب أوضاع المنطقة، وبالذات موقع إيران منها. وفي هذا الصدد قد تبدأ إسرائيل بـ"حماس" وتوجه لها عن بُعد ضربات مؤلمة في الداخل ربما لا تقضي عليها ولكنها بالتأكيد ستخلق صعاباً جمة في طريق "حماس" لترسيخ وضعها، ولذلك أصبح لقاء "فتح" و"حماس" حدّاً أدنى مطلوباً لتقوية الجبهة الداخلية الفلسطينية. ومن المأمول أن يفضي هذا الحد الأدنى لاحقاً إلى بحث في استراتيجية العمل الوطني الفلسطيني يجعله أكثر تماسكاً وفاعلية، وكذلك إلى إعادة بناء منظمة التحرير بما يعكس الحقائق الجديدة في الواقع السياسي الفلسطيني. وإذا كان تصريح عزت الرشق عضو المكتب السياسي لـ"حماس" بأن اتفاق "حماس" و"فتح" على تحقيق المصالحة الفلسطينية أصبح أقرب من أي وقت مضى صحيحاً، فلنا أن نتنفس الصعداء للمرة الأولى منذ وقع الصدام المسلح بينهما في 2007، مع الدعاء لله سبحانه وتعالى بألا يفاجئنا الطرفان مجدداً بما يفاقم من تدهور الوضع الفلسطيني.