تتعرض نظم الرعاية الصحية حول العالم لضغوط شديدة نتيجة عوامل عدة منها الزيادة المستمرة في عدد السكان، وارتفاع متوسط أعمار الأفراد ضمن ظاهرة تشيُّخ المجتمعات، والانتشار الواسع للأمراض غير المعدية مثل السمنة والسكري وأمراض القلب، واتساع النطاق الجغرافي لهذه النوعية من الأمراض نتيجة ظاهرة العولمة والتغيرات المناخية، بالإضافة إلى ارتفاع تكلفة التقنيات الطبية الحديثة، وبشكل غير مبرر أحياناً. وكل هذه العوامل مجتمعة تهدد العديد من نظم الرعاية الصحية بالانهيار المالي، وتدفع بقضية التمويل الصحي إلى رأس قائمة الأولويات السياسية والاقتصادية للعديد من الدول والمجتمعات. ويزيد حاليّاً حجم الإنفاق العالمي على الرعاية الصحية عن أربعة تريليونات دولار (4 آلاف مليار) سنويّاً، أو ما يعادل 639 دولاراً لكل فرد من أفراد الجنس البشري. ولكن للأسف، لا يتم إنفاق هذا المبلغ بالتساوي بين أفراد شعوب الدول المختلفة. ففي الوقت الذي ينفق فيه على الرعاية الطبية والصحية للمواطن الأميركي أكثر من 6000 دولار سنويّاً، نجد أن ما ينفق على الفرد في "بوروندي" بوسط أفريقيا، لا يبلغ حتى 3 دولارات في السنة. وإن كان هذا لا يعني أننا بحاجة لإنفاق ستة آلاف دولار سنويّاً على كل فرد لتوفير رعاية صحية جيدة، ففي دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (Organisation for Economic Co-operation and Development)، التي تضم معظم الدول الأوروبية، ودول أميركا الشمالية، وأستراليا، واليابان، وغيرها من الدول الصناعية الغنية، يبلغ معدل الإنفاق على الرعاية الصحية للفرد 2700 دولار فقط، مع ملاحظة كون هذا الرقم متضخماً نسبيّاً، بسبب الإنفاق الهائل في الولايات المتحدة، وهي أحد أعضاء المنظمة. ولذا، فإذا ما استثنينا الإنفاق في الولايات المتحدة، فسنجد أن متوسط الإنفاق سيقل عن 2700 دولار بكثير، في أغنى دول العالم وأكثرها إنفاقاً على الرعاية الصحية. وبالنظر إلى أن متوسط معدل الإنفاق العالمي للرعاية الصحية على الفرد هو 639 دولاراً فقط، بينما يبلغ هذا الرقم 2700 دولار للفرد الواحد في الدول الغنية، وأكثر من ستة آلاف في الولايات المتحدة تحديداً، يصبح من السهل إدراك أن توزيع الإنفاق العالمي على الرعاية الصحية لا يتسم بالعدالة، أو المساواة بين الدول المختلفة. وهو ما يتضح أيضاً من حقيقة أن 80 في المئة من مجمل الإنفاق العالمي على الرعاية الصحية ينفق على سكان دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، الذين يشكلون 18 في المئة فقط من سكان الكرة الأرضية، بينما يحظى الـ82 في المئة الباقون من أفراد الجنس البشري، بـ20 في المئة فقط من مجمل الإنفاق العالمي على الرعاية الصحية. وهو ما يعني أن الفرد القاطن في إحدى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يحظى بحجم إنفاق على الرعاية الصحية يزيد بثمانية عشر ضعفاً عما يحظى به الفرد القاطن في إحدى دول العالم الأخرى. وفي بعض الأحيان، كما هو الحال في حالتي الولايات المتحدة وبوروندي، تبلغ هذه النسبة ألفي ضعف، أو ألفي دولار على المواطن الأميركي، مقابل دولار واحد على المواطن البوروندي. وبالنظر إلى الضغوط التي تتعرض لها حاليّاً نظم الرعاية الصحية، وارتفاع نسبة مخصصات التمويل من مجمل الناتج القومي، أصبحت قضية تمويل الرعاية الصحية، وخصوصاً في الدول النامية والفقيرة، من أهم العقبات التي تهدد جهود مكافحة الفقر، وتبطئ من معدلات التنمية. وحتى في الدول الصناعية والغنية، يعكف السياسيون والاقتصاديون حاليّاً على البحث عن إجابة لأسئلة ملحة تتعلق بالرعاية الصحية، وتهدد نموذج "دولة الرفاه" برمته، مثل كيفية إيجاد المصادر المالية الكافية لتمويل الرعاية الصحية؟ وأفضل طريقة لتخصيص وتوزيع هذه المصادر بشكل كفء وفعال ودون هدر؟ وكيف يمكن إيصال هذه الرعاية إلى فقراء المجتمع، وفقراء العالم بوجه عام؟ وفي الأعوام القليلة الماضية، ومن خلال تكرار وقوع أوبئة عالمية من بعض الأمراض المعدية مثل إنفلونزا الطيور، و"سارس"، اتضح بشكل جلي أن المشاكل الصحية التي تصيب سكان الدول الفقيرة، لن يكون سكان الدول الغنية أيضاً في منأى عنها. ففي عصر العولمة، ومع سهولة الانتقال والسفر، أصبح من الممكن انتقال الأمراض المعدية عبر الدول والقارات، وفي غضون ساعات قليلة. وبخلاف الأمراض الحديثة التي امتلأت بها وسائل الإعلام خلال الأعوام القليلة الماضية، نجد أن الكثير من الأمراض المعدية، (القديمة) إن صح التعبير، التي اعتقدت الدول الغنية أنها قد نجحت في دحرها، وتأمين شعوبها ضدها، قد عادت للظهور مجدداً في عواصم ومدن الدول الغربية. ولعل أفضل مثال على ذلك هو ميكروب السل، الذي يحصد أرواح الملايين كل عام في الدول الفقيرة، وقد بدأ مؤخراً يطل برأسه القبيح في شوارع لندن وباريس ونيويورك، وقد يكون هذا هو ما دفع منظمة الصحة العالمية إلى الإعلان عن تحول السل إلى طارئ عالمي، في سابقة هي الأولى من نوعها. كما لعبت العولمة دورها أيضاً عند ظهور النوع الأخطر من الميكروب، المقاوم للعديد من العقاقير، الذي أصبح يشهد هو الآخر انتشاراً متزايداً في الدول الغربية. وهذا السيناريو، يتوقع أن يتكرر مرات عديدة في المستقبل، في ظل النقص الحاد في مصادر تمويل الرعاية الصحية في الدول الفقيرة، وغياب النظرة الاستراتيجية الدولية، بضرورة تمويل مكافحة الأمراض المعدية في موطنها الأصلي، الذي غالباً ما يكون دولة من دول العالم الثالث.