أصبح المشهد العراقي أكثر تعقيداً وتدهوراً بعد أن مرَّ أكثر من سبعة أشهر على انتهاء الانتخابات البرلمانية، ولم تشكل الحكومة حتى الآن. ولا يبدو أن في الأفق بوادر انفتاح بعد أن أعلن رئيس الوزراء السابق إياد علاوي بأن قائمته لن تشارك في حكومة يرأسها المالكي، محملاً إيران مسؤولية تعطيل تشكيل الحكومة. ويشار هنا إلى أن مقتدى الصدر أقر بوجود ضغوط سياسية لاختيار رئيس الوزراء، وأعلن بأن مجموعته سوف تتحالف مع "العراقية" لتشكيل الحكومة. إن أزمة تشكيل الحكومة ليست داخلية فقط، وإنما أصبحت إقليمية وربما دولية، حيث باتت واشنطن وطهران ودمشق تلعب دوراً أساسياً في الأزمة. العواصم الثلاث متفقة على تجديد ولاية المالكي، رغم توجهاته الطائفية والخلاف معه داخلياً. يتعرض التحالف الوطني (الشيعي) لضغوطات كبيرة من طهران لقبول ترشيح المالكي، وقد اعترف الصدر بهذه الضغوطات، والتي بسببها انشقت الجبهة الداخلية حيث ترفض "العراقية" أي تدخلات خارجية من أي دولة إقليمية، بينما أدت الضغوطات إلى انشقاق التحالف الوطني الشيعي وفشله في الاتفاق على أحد مرشحَيْه: المالكي وعبدالمهدي. هذه الحقيقة تؤكد أن النخبة السياسية العراقية لا تملك رؤية واضحة لعراق المستقبل، ولا تعرف كيف تتعامل مع التقسيم الطائفي للعراق... فالأحزاب الشيعية التي تروج للتقسيم الطائفي، تريد تحقيق أجندات ومشاريع خارجية أجنبية على حساب سيادة العراق ووحدته الوطنية. والأمر المحير بالنسبة لنا في الخليج هو كيف تتفق الولايات المتحدة وطهران على ترشيح المالكي لرئاسة الوزارة، رغم الخلافات المعلنة بين الدولتين. ربما وجدت واشنطن وطهران بأن المالكي هو الشخص القادر على تحقيق مصالحهما معاً وفي نفس الوقت. إن تأييد واشنطن وطهران لرئيس وزراء من حزب "الدعوة" الشيعي سوف يُبقي العراق تحت رحمة نظام الملالي. أما بالنسبة للولايات المتحدة فهي تدّعي بأنها تحاول إبعاد نفسها عن الخيار العراقي لرئيس الوزراء، والحقيقة أنها ترغب برؤية حكومة ائتلافية عراقية جديدة تحدث عبر الحوار والنقاش وليس العنف. هذه الرغبة الأميركية لم تواكبها أي ضغوط لتحقيقها، رغم زيارات نائب الرئيس الأميركي المتكررة للعراق. ماذا سيحدث للعراق إذا استمرت حالة التأزيم والتناحر والاختلاف داخل التحالف الوطني نفسه، كممثل للكتل الشيعية، على مرشح واحد رغم كل الضغوطات من جانب طهران. لقد أثبت آية الله السيستاني حكمة وحنكة سياسية برفضه التدخل في الخلافات السياسية بين الأحزاب الشيعية، مما قد يترك الفرصة للعقلاء في العراق لتشكيل حكومة وحدة وطنية تشمل كل الحركات والأحزاب والقوائم العراقية. ما نتخوف منه فعلاً في الخليج هو أن ينفد صبر الشعب العراقي الذي عانى من الأنظمة الاستبدادية القمعية، ونراه اليوم يعاني أكثر تحت النظام الديموقراطي المختطف من الأحزاب الدينية الشيعية التي تستغل الدين لتحقيق مآرب حزبية خارجية على حساب الشعب العراقي الذي يطالب بتحقيق الأمن والاستقرار وتقديم الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وتعليم. لقد قدمت دول العالم مليارات الدولارات في شكل مساعدات اقتصادية لإعادة إعمار العراق، لكن حتى الآن لم يتحقق أي إنجاز على أرض الواقع في إعادة الإعمار أو عودة اللاجئين والمشردين والنازحين لبلدهم. نأمل أن تتدخل الأمم المتحدة أو الولايات المتحدة في العراق لكسر الجمود السياسي قبل أن تحدث كوارث إنسانية في هذا البلد الغني بثرواته الطبيعية والبشرية، لكنه يفتقر إلى نخبة مخلصة لشعبها، بكل طوائفه وأعراقه وقومياته.