لاشك أن القس "تيري جونز" في تهديده بحرق المصحف الشريف قد تحدى كافة مبادئ التعايش الإنساني، وتنكر لأبسط أبجديات الحق والعقل والمنطق، ولذلك استحق علينا التنديد والإدانة، تماماً كما نحن ضد حرق أي كتاب لأية طائفة أخرى، على اعتبار القناعة بحرية الأديان وحرية الإنسان. وهذه الإدانة تصدق أيضاً على ما صرح به "جونز" لمحطة CNN وهجومه غير المبرر على المسلمين والشريعة الإسلامية، وطبعاً لا نود إيراد كلماته الخارجة عن الذوق وأخلاقيات التعامل مع الآخر. ولا نعتقد أن الأميركيين وملايين المسيحيين في العالم يوافقون القس "جونز" أو كنيسته المغمورة في فلوريدا على ذلك التهديد المستفز بحرق المصحف الشريف فيما قيل إنه رد على إقامة مسجد في "غراوند زيرو" قرب موقع برجي مركز التجارة العالمي اللذين أسقطتهما اعتداءات 11 سبتمبر 2001 فيما عُرف في الثقافة " البنلادنية " بـ"الغزوات" على أميركا! وذلك عمل أيضاً ندينه بذات القوة على اعتبار أنه إرهاب للآمنين دون وجه حق. ونتعاطف مع أهالي ضحايا الحادث الأليم ونشاطرهم الأحزان، من منطلقنا الإسلامي التسامحي الذين ينبذ العنف والقسوة وترويع الآمنين. وفي ذات الوقت، فإننا ومن وحي العقل واستحقاقات حسن النوايا نختلف مع الذين يصرّون على بناء المسجد وملحقاته قرب المكان الذي يحمل ذكرى أليمة في وجدان الأميركيين، بل إن ذلك قد يكون من شأنه إلصاق تهم الأذى أو العنف والإرهاب بالإسلام! ويرى معارضو موقع بناء المسجد أن أي أميركي أو غيره من البشر يمرّ بجانب المسجد أو ملحقاته إذا بني في ذلك الموقع تحديداً قد يشعر بالاستفزاز لأنه سيُذكره بما فعله أصوليون متطرفون بمبنى يعتبر في المقام الأول رمزاً للشعب الأميركي وليس للإدارة الأميركية التي قد نختلف معها في سياساتها تجاه قضايانا العربية والإسلامية. كما أن الولايات المتحدة قارة ويمكن بناء المسجد المذكور في أي مكان ملائم فيها، بما في ذلك بقية أحياء ومناطق نيويورك نفسها مثل "بروكلن" التي بها جالية إسلامية كبيرة! بل إن الموقع المذكور محوط بشوارع وبنايات قد لا تسمح بممارسة الشعائر الدينية بيسر وسهولة؛ وقد يثير الجيران، ويتسبب في حوادث استفزازية بين الطرفين المسلم والأميركي! وحري بالقائمين على الأمر بشأن المسجد المذكور أن يسمعوا صوت العقل، ويختاروا مكاناً آخر حتى لا يستعْدوا الناس عليهم وعلى الإسلام. كما أننا نؤيد ونشيد بما جاء على لسان الرئيس أوباما من أن أميركا "لن تكون أبداً في حرب مع الإسلام". ونرحب بتطمينه للشعب الأميركي غداة إحياء الذكرى الأليمة لحوادث الاعتداءات على أميركا بأن "من هاجمنا في ذلك اليوم من سبتمبر لم يكن ديانة، بل «القاعدة»، عصابة يُرثى لها من الرجال الذين حرّفوا الدين". وكذلك دعوته مواطنيه إلى "تجنب الجنوح إلى الانقسام والحقد" في ذكرى مرور 9 أعوام على الاعتداءات المذكورة. والحال أن الأسلوب الأمثل لحماية الإسلام من كل من قد يثيرون الفتن بينه وبين الأمم والديانات الأخرى هو خطاب الإسلام التسامحي الذين لا يعول على العنف أو العنف المضاد. وتوجيه الدعاة إلى عدم الخوض في السياسة وتوتير الناس وتأييد الجماعات التي تتبنى العنف والانتقام والكراهية للآخرين الذين قد نختلف معهم في الثقافة والسياسة والسلوك الاجتماعي. وعلينا أن ندرك أن من حق أي شعب من الشعوب ممارسة طقوسه ومعتقداته وأنماطه الاجتماعية حسبما يرتئيه هو دون فرض من طرف آخر، تماماً كما أن حقنا نحن أيضاً ثابت في ممارسة طقوسنا ومعتقداتنا وأنماطنا الاجتماعية، وألا نسمح للآخرين بالتدخل فيها. لقد جاء الإسلام برسالة حب وتسامح وتسامٍ للنفس عن الدنايا، وهو رسالة للعالم كله -لإتمام مكارم الأخلاق- وفي هذا معنى كريم. ومن كرم الأخلاق عدم الاعتداء على الآخرين وعدم بث الكراهية والتأليب ضد من قد نختلف معهم. ولكن الفئات المتعصبة التي تسيء فهم الإسلام وتتظاهر بالحديث باسمه -بغية تحقيق مآرب فوضوية أو إعلامية- هي التي حوّرت مقاصد الدين الحنيف وأخرجته في أعين الآخرين من دائرة الحب والتسامح والنقاء الروحي والجسدي إلى دوائر العنف والكراهية والاعتداء على أي آخر لا يدين بالإسلام. بل إن الأمر اختلط بالسياسة عندما استخدمت المنابر استخداماً سلبيّاً للدفاع عن قضايا الأمة! ماذا استفدنا من حروب الشيشان وأفغانستان؟! ومن يغذي الكراهية والعنف في الصومال والسودان واليمن والجزائر والعراق؟! وهل يجوز استخدام الدين ذريعة للانقضاض على الحكم؟ ولماذا لا تلجأ تلك الجماعات الموتورة والمارقة إلى البرلمانات وصوت العقل والحوار الهادئ؛ بدلاً من تفجير الفنادق وبث الرعب في نفوس الآمنين والتغرير بالشباب المسلم وتعريضهم للفناء على اعتقاد خاطئ هو "الشهادة" وفق رؤيتهم البعيدة، حقيقة وحكماً، عن شهادة الإسلام التي لها مواصفات ومحددات معروفة. ومما يؤسف له أن بعض منتقدينا اليوم يرون أن من حق الإعلام الدولي أن يلصق بنا صفات العنف والإرهاب، لأننا ما زلنا في دفاعنا عن حقوقنا الشرعية في فلسطين مثلاً نغلب العاطفة وحدها في التعاطي مع القضية! ومنذ أكثر من 60 عاماً نروج أننا أعداء لأميركا ولكل الدول الأوروبية التي تتعامل معها! وكنا أيضاً نعادي الاتحاد السوفييتي، وغررنا بالشباب المسلم أثناء محاربة الشيوعية في أفغانستان وبثمن رخيص جدّاً. في الواقع نحن لسنا أعداء لأحد، ولا يجوز أن نعلن ذلك في وسائلنا الإعلامية وتصريحاتنا البطولية في المناسبات. صحيح أننا قد نختلف مع تصرفات الإدارة الأميركية في نظرتها لقضية فلسطين وتأييدها المطلق لإسرائيل عدوة العرب والمسلمين. ولكن هذا الاختلاف أو الخلاف يجب أن نضعه فوق الطاولة، ونتحاور بالعقل والمنطق. إن تراجع القس "جونز" عن تهديده بحرق المصحف الشريف، ينبغي في نظري أن تقابله مبادرة من القائمين على شأن المسجد المزمع إنشاؤه بالقرب من برجي مركز التجارة المهدومين، وأن تسارع الجمعيات الإسلامية والمدنية في أميركا إلى نشر روح التسامح ومعاني العدالة الاجتماعية واحترام الآخر، وبذلك تخمد الفتنة التي نشأت بين المسلمين والأميركيين، كما أننا ينبغي أن نعلم أن المسلمين في أميركا هم أميركيون بالدرجة الأولى ولا يسمحون بهدم مبانيهم أو تشويه مدنهم بهجمات خارجة على القانون، وهم وأبناؤهم وأحفادهم تشربوا الثقافة الأميركية. وأخيراً، حري بنا أن نوطد علاقاتنا مع كل شعوب العالم، ولن يتأتى ذلك إلا بتعليم أبنائنا ثقافة التسامح وحب الآخرين ونبذ كراهيتهم، وتوجيه إعلامنا -بكل أشكاله- إلى أن يتحدث لغة العقل لا العاطفة، ويتعلم لغة الحياد حتى في قضايانا المهمة.