طرحنا الأساسي بالنسبة لهذا الموضوع، هو أننا لا نستطيع تكوين فهم عام جديد لفكرة الوطنية عن طريق مقولات التراتب الاجتماعي، أو أي نوع آخر من التحليل الاجتماعي-الاقتصادي، فتنوع الحركات الوطنية الحديثة يدحض أي منظور من هذا القبيل. وبالنسبة للإمارات يوجد لديها منظورها الفكري- التحليلي الخاص بها فيما يتعلق بإمكانية استخدام تحليلات التراتب الاجتماعي لدراسة نظامها السياسي، فهي ذات نظام نخبوي، يصعب معه اللجوء إلى نظريات التحليل التراتبي والطبقي. وبغض النظر عن ذلك توجد مصالح اجتماعية واقتصادية متشعبة، ويستطيع المرء تحديد بعض العلاقات المتشابهة بين فئات اجتماعية واسعة وفكرة الوطنية، لكننا رغم ذلك نود التأكيد على أننا لا نعني بأن تلك العلاقات لا تؤثر في الفكرة أو المسيرة الوطنية، أو لا تشرح الوطنية الإماراتية في جوهرها. الاهتمام الرئيسي بالنسبة لنا في هذا المقام ليس صياغة نظرية متكاملة، لكنه ينصب على دراسة الحالة، وحتمياً، مجتمع الإمارات- كغيره من المجتمعات الإنسانية- يعتبر ساحة تتنافس فيها أطراف لكي يحقق كل منها مصالحه، لكنه في نفس الوقت فإن هذا المجتمع أفراده متراحمون، ويحبون بعضهم بعضاً بكل ما في ذلك من معان سامية، لذلك فهو مجتمع لا يقبل بشكل مطلق أن يكون ساحة تتصارع فيها تنظيمات مفسدة في الأرض، أهدافها غير معروفة لكي تقوم بما تقوم به تحت مسميات وشعارات الوطنية. هذه أمور غير مقبولة بتاتاً وإن غلفها البعض بشعارات دينية أو أية شعارات أخرى ليس لها محل من الإعراب في أوساطنا. وعليه فإن الحالة قد تكون كذلك عندما تبدو الفلسفة الشعبية وكأنها تجيزها بسبب التوقعات الهابطة، أو عندما تبدو المؤسسات العامة، غير مهتمة بلجم البواعث الأنانية الفردية، وهذه أمور بعيدة عن مجتمعنا ضمن مسيرته المباركة حالياً. بيت القصيد هو القول إن حركات عنف من ضروب شتى تلبس الثوب الديني تقول عن نفسها بأنها مقبولة، وهي حقيقة لا تحظى بأي قدر من التأييد الجماهيري الفعال، لكنها تدعي دائماً بأنها تتحدث باسم الجماهير العريضة، وبهذا المعنى ترمي إلى القول إن السياسات التي تنتهجها والممارسات التي تقوم بها تتم تحت مظلة الوطنية، وهي دائماً تعكس رغبات جماهيرية. الملاحظ بهذا الصدد أن هذه الحركات تقود إلى تنظيم التأييد الجماهيري لأغراض سياسية قد تكون بعيدة عن أهداف المجتمع الحقيقية ومضرة بها، أو إلى تفعيل قطاعات واسعة من المجتمع ربما تكون غير واعية، لكنها دخلت فجأة إلى الميدان السياسي. ومن ناحية عملية يصعب تفريق هذين النوعين من السياسات الجماهيرية عن بعضها بعضاً. إن من السهل الإشارة إلى عدة تغيرات من الممكن أن تجعل من الضروري لأصحاب الحركات المناوئة لمسيرة المجتمع تزوير الروابط مع الشرائح الواسعة من السكان الذين لا يكونون ضالعين في السياسات، وهذه العمليات يمكنني تسميتها بـ"التعبئة السلبية"، وأعني بذلك التغيرات التي تجعل من الممكن لأصحاب الحركات الديماغوجية المستغلة للدين إقامة علاقات مع أعداد كبيرة من المواطنين، أو تلك التي تستطيع خلق التوقعات لدى أعداد كبيرة من الناس، خاصة في أوقات الكوارث والأزمات لكي تتم تعبئتهم للقيام بأعمال مغايرة لأهداف الوطن.