يُنظر إلى الزيارة التي من المرتقب أن يقوم بها الرئيس الأميركي إلى الهند في شهر نوفمبر المقبل باعتبارها زيارة من شأنها أن توطد العلاقات بين الهند والولايات المتحدة، وتسهم فيها بمكون جديد، لاسيما بعد فترة كانت فيها الزعامة في كلا البلدين منشغلة بمشاكل داخلية وخارجية خاصة بها؛ حيث كان لدى أوباما الكثير من المشاكل الداخلية المرتبطة بالأزمة الاقتصادية العام الماضي؛ أما على صعيد السياسة الخارجية، فقد كان منشغلاً بالعراق وأفغانستان، اللذين مازالا على رأس قائمة المواضيع الخارجية التي تواجهها إدارته. وبالمقابل، واجه رئيس الوزراء الهندي مانموهان سنج سلسة من المشكلات الداخلية أيضاً، من المشكلة "الماوية" إلى الأزمة الحالية في كشمير. هذا في حين كان تركيز السياسة الخارجية الهندية منصباً بالطبع على باكستان والتهديد الإرهابي القادم من خارج الحدود الهندية. ونتيجة لذلك، فيمكن القول إن العلاقات الهندية- الأميركية، بمعنى من المعاني، قد أُنزلت إلى مرتبة أدنى. وعلى هذه الخلفية، يُنظر إلى زيارة أوباما إلى الهند باعتبارها فرصة أمام كلا البلدين ليعيدا ضبط وتيرة علاقاتهما ويمررا رسالة إلى العالم مؤداها أن العلاقات بين الهند والولايات المتحدة ماضية نحو النمو من أجل بلوغ البعد الاستراتيجي. ولهذا الغرض، ينكب المسؤولون الكبار في البلدين حالياً على البحث عن الموضوع الرئيسي الذي سيشكل جوهر المحادثات الثنائية. وللتذكير، فقد كان الاتفاق النووي المدني في صلب العلاقات الثنائية خلال السنوات الأخيرة، حيث جمع الاتفاقُ أقدم وأكبر ديمقراطيتين وأسس لشراكة قوية بينهما. ثم إنه بفضل الاتفاق النووي مع أميركا رُفعت العقوبات على الهند. والواقع أن ثمة سلسلة من المواضيع التي تحظى باهتمام مشترك، حيث يركز الجانبان على نقل التكنولوجيا المتقدمة في مجال الدفاع، والمحاولات الهندية بشأن الحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي، إلى جانب مواضيع أخرى. غير أن بواعث القلق الرئيسية بالنسبة للهند تظل هي أفغانستان وباكستان على اعتبار أن التطورات في هذين البلدين تؤثر في الهند بشكل مباشر. وبالتالي، فالهند تريد أن تفهم الاتجاه الذي تسلكه إدارة أوباما في أفغانستان، على أنه من المرتقب أن تسهم الهند أيضاً بوجهة نظرها الخاصة بشأن تدخل باكستان في أفغانستان والجانب الهندي من كشمير. وفي هذا الإطار، فإن الهند ترتاب من زيادة المساعدات العسكرية الأميركية لجارها، حيث تخشى أن تقوم باكستان بتحويل تلك الموارد وتسخرها لتنفيذ هجوم في منطقة كشمير المتنازع عليها وعلى طول الحدود الهندية- الباكستانية، بدلاً من استعمالها لمحاربة تنظيم "القاعدة" و"طالبان". بيد أن إدارة أوباما تتبنى حتى الآن سياسة عدم التدخل في النزاع الهندي- الباكستاني، محافظةً بذلك على مصالحها الخاصة في العمل مع كلا البلدين، حيث تعتبر واشنطن كلًا من باكستان والهند شريكين فيما يسمى الحرب على الإرهاب ولا ترغب في أن تخسر أياً منهما. ومن المواضيع المهمة الأخرى التي قد تطرح للنقاش بين البلدين ربما هناك موضوع إيران وطموحاتها النووية، حيث من المتوقع أن يتبادل الجانبان وجهات النظر بشأن هذا الموضوع المهم. وعلى الرغم من أن الهند لا ترغب في أن تتحول إيران إلى قوة نووية، فإنها تحتاج إلى الدعم الإيراني في أفغانستان من أجل تشكيل تحالف مناوئ لـ"طالبان" بعد انسحاب القوات الأميركية من الساحة الأفغانية. ولذلك، فإن الهند قد تحاول إقناع الأميركيين بمواصلة اتباع الوسائل السلمية وحل المشكلة عبر الحوار، ولاسيما أن عدداً من المسؤولين الإيرانيين رفيعي المستوى قاموا بعدد من الزيارات إلى نيودلهي خلال الآونة الأخيرة من أجل إطلاع نيودلهي على وجهة نظرهم واقتراح بدائل. وبالنظر إلى زيادة الصين لنفوذها وقوتها العسكرية في المحيط الهندي الذي يكتسي أهمية استراتيجية لا تخفى على أحد، فإن الولايات المتحدة تعتزم استقطاب الهند إلى شبكتها الاستراتيجية العالمية والتصدي لنفوذ بكين المتزايد في المنطقة. ذلك أن الولايات المتحدة لا ترغب في الابتعاد عن المنطقة وتهدف إلى الحفاظ على حضور دائم فيها، وذلك من أجل التأشير على عزمها وتصميمها على الحفاظ على انخراطها هناك، إضافة إلى تجنب صعوبات دخول المنطقة من جديد. وفي هذا السياق، يتفق المحللون الهنود أيضاً مع الرأي الذي يقول إن بكين تتبع ما يعرف على نطاق واسع باستراتيجية "عقد اللؤلؤ" التي تقوم على نسج علاقات صداقة مع جيران الهند من أجل حماية مصالحها الأمنية والاقتصادية وتشكيل وزن مضاد مقابل "الهند الصاعدة". والواقع أن إحاطة الصين السلسة بمناطق حدودية باكستانية يشكل مصدر قلق مشترك لواشنطن ونيودلهي، ذلك أن لدى الولايات المتحدة مخاوف حقيقية من أن يكون المسعى الصيني الرامي لتحويل "طريق الحرير" الشهير إلى خط للسكك الحديدية لربط باكستان حدثاً تحولياً قد يفضي إلى تغيير المعادلات الجيوسياسية في المنطقة. وبالتالي، فالأرجح أن الهند والولايات المتحدة ستشرعان في العمل معاً عبر "الحوار الاستراتيجي" سعياً وراء علاقة تشمل جميع المجالات، وحيث لا تسهم الهند في الجهود العالمية لمحاربة الإرهاب وجهود حظر الانتشار النووي فحسب، وإنما تلعب دوراً رئيسياً أيضا في كبح الصين حتى لا تقوم بتوسيع نفوذها في جنوب وجنوب شرق آسيا أكثر. وختاماً، فمن الواضح أنه لا يوجد نقص في المواضيع التي ستطرح للنقاش خلال زيارة أوباما، والأكيد أن زيارة الرئيس الأميركي إلى الهند ستحظى بمتابعة مكثفة ودقيقة في المنطقة والعالم.