لطالما اصطدمت محاولات وضع أرقام محددة على بدايات ونهايات مراحل العمر بالاختلافات والفروق الثقافية والاجتماعية بين الدول والشعوب، وهو ما يتضح مثلًا من سن بداية ونهاية مرحلة الطفولة. فعلى رغم أن الجميع يتفق على أن الطفولة تبدأ من الثواني الأولى بعد انتهاء عملية الولادة، إلا أن نهاية هذه المرحلة تتراوح ما بين سن الثالثة عشرة لدى البعض، وحتى سن الحادية والعشرين لدى بعض آخرين، مع اتفاق الغالبية على أن سن الثامنة عشرة هي بداية مرحلة الشباب. ومثل هذا الاختلاف يحمل في طياته تبعات ونتائج عديدة، أولها، وربما أهمها، هو التبعات القانونية، حيث يحدد نهاية سن الطفولة بداية المسؤولية القانونية، وبداية الحق في التصويت والاقتراع وبالتالي المساهمة في تحديد الاتجاه السياسي والاقتصادي للمجتمع برمته. وحال هذا الاختلاف على تحديد بدايات ونهايات مراحل العمر الأخرى، يصدق أيضاً على كيفية تحديد بداية ونهاية منتصف العمر، التي هي أيضاً موضوع تباين واسع بين الشعوب والمجتمعات المختلفة نتيجة لاختلاف عدد سنوات الحياة، وتباين نهاية سنوات العمل وبداية سنوات التقاعد بين بلد وآخر، فالدول التي يبلغ متوسط العمر فيها خمسين عاماً، لا يمكن أن يكون منتصف العمر فيها مماثلًا للدول التي يبلغ متوسط العمر فيها أكثر من ثمانين عاماً. كما أن الدول التي تبدأ سنوات التقاعد فيها في منتصف عقد الخمسينيات، لا يمكن أن يكون منتصف العمر فيها مساويّاً للدول التي تبدأ سنوات التقاعد فيها نهاية عقد الستينيات من العمر. وعلى رغم أن هذا الاختلاف حول نهاية وبداية مرحلة منتصف العمر لا يحمل في الغالب دلالات قانونية أو سياسية، إلا أنه يلعب دوراً محوريّاً في ما يعرف بأزمة منتصف العمر. وهذه الأزمة، بدأت الإشارة إليها منذ منتصف عقد الستينيات من القرن الماضي من قبل علماء وأطباء الأمراض النفسية، كالطبيب الكندي المشهور "إليوت جاكو"، صاحب العديد من النظريات المتعلقة بالتطور النفسي والمؤسسي. ويشير مصطلح أزمة منتصف العمر في أبسط صورة، في المجتمعات الغربية على وجه خاص، إلى مرحلة من العمر يتعاظم فيها الإحساس بالشك في الذات من قبل الشخص، منذ دخوله عقد الأربعينيات وحتى منتصف أو نهاية عقد الخمسينيات، نتيجة إدراكه لمرور سنوات الشباب ودنو سنوات خريف العمر، ولذا يمكن اعتبارها مرحلة بين سنوات فورة الشباب وبين حالة الهدوء والسكينة التي يمنحها التقدم في العمر. وكثيراً ما تنطلق الشرارة الأولى لهذه الأزمة نتيجة وفاة الوالدين، أو المرور بسن اليأس، أو فقدان الوظيفة والبطالة، أو العمل في وظيفة لا ترقى للتطلعات المالية للشخص، أو ممارسة مهنة أو عمل لا يرغب فيهما ولا يمكنه تغييرهما، أو بسبب بلوغ الأولاد سن النضج ومغادرتهم لمنزل العائلة ليتركا الوالدين وحيدين، أو نتيجة لبداية ظهور العلامات الجسدية للتقدم في السن، مثل شيب الشعر، وظهور التجاعيد. وهي العوامل والأحداث التي تولد الرغبة في إحداث تغيير جذري في الجوانب الأساسية لحياة الشخص، من خلال الطلاق، أو الدخول في مغامرات عاطفية جديدة، أو تغيير طبيعة ونوعية العمل، أو أحيانًا قد تدفعه لإنفاق مدخراته بشكل غير عقلاني. وتختلف الأسباب المهيئة للدخول في أزمة منتصف العمر، ومظاهر هذه الأزمة وعلاماتها، باختلاف المنظومة الخاصة بالمفاهيم والأعراف والتقاليد الثقافية والمجتمعية. ففي العديد من المجتمعات، وخصوصاً المجتمعات الغربية والغنية، يتعرض الأشخاص مع تقدمهم في العمر لضغوط ثقافية سلبية تدفعهم إلى حالة من الإنكار والرفض التام للشيخوخة. وهذه الضغوط تدفع بالأفراد لإنفاق كم هائل من الوقت والجهد والمال -وخصوصاً بين النساء- في محاولة يائسة لإبطاء العملية البيولوجية المصاحبة للتقدم في العمر، أو على الأقل إخفاء آثارها لأطول وقت ممكن. وهذه المحاولات قد تتضمن: صبغ الشعر، واستخدام أنواع باهظة الثمن من الكريمات المضادة للتجاعيد، واللجوء لحقن "البوتكس"، أو الخضوع لأشكال متنوعة من الجراحات والتدخلات الطبية. وربما يعود السبب في ذلك إلى ارتباط مفهوم اللذة والمتعة -وربما الحياة كلها- في تلك المجتمعات، بمرحلة الشباب والصبا، وهو ما يدفع الكثير من الرجال والنساء في المجتمعات الغربية لحالة من الاكتئاب والانقباض النفسي، مع وصولهم لمنتصف العمر، وخصوصاً مع تخطيهم لسن الأربعين. وعلى العكس من ذلك تشير بعض الدراسات إلى أن أزمة منتصف العمر لا وجود لها تقريباً في اليابان، والهند، وبقية المجتمعات الشرقية، وهو ما دفع البعض لتفسير هذه الأزمة على أنها ظاهرة ثقافية، وليست نتيجة تغيرات بيولوجية محددة. ففي المجتمعات الشرقية ترتبط مرحلة منتصف العمر بالتأمل، وإعادة تقييم مسار الحياة الشخصية، وترتيب الأولويات الإنسانية في حياة الشخص مثل الزوجة والأولاد والأهل والأصدقاء، ودون الدخول في أزمة نفسية، أو ظهور أي عرض من أعراض الاكتئاب. ولكن في ظل انتشار الثقافة الغربية بجميع جوانبها، وفي معظم دول العالم، والتراجع الملحوظ في القيم والثقافات المحلية، يتوقع أن يزداد عدد من يقعون فريسة لأزمة منتصف العمر، وخصوصاً ضمن المجتمعات الشرقية، التي كان أفرادها إلى وقت قريب يعتمدون على المساندة والدعم النفسي الناتج عن العلاقات الاجتماعية القوية، في درء شبح أزمة منتصف العمر، وجميع أزمات الحياة الأخرى.