قلما تصنع جمهورية قرغيزستان عناوين الصحف الرئيسية الأميركية. فهي دولة صغيرة لا منفذ بحرياً لها في منطقة آسيا الوسطى، وغالباً ما يطغى على أحداثها وأخبارها ما يجري في الدول المجاورة لها، مثل الصين وكازاخستان وباكستان وأفغانستان. لكني عندما زرت عاصمتها بشكيك مؤخراً أدركت أن الأهمية الاستراتيجية لقرغيزستان تستحق منا انتباهاً أكبر من الذي نوليه إياها الآن. كما أننا سنذكر شعب قرغيزستان بطموحاته الديمقراطية أكثر مما نذكره لوقوفه إلى جانبنا في الحرب الأفغانية. وربما هناك من يقول من المحللين في أميركا: تكتسب قرغيزستان أهميتها من وجود قاعدة عسكرية أميركية رئيسية فيها، تعد معبراً رئيسياً لنقل المؤن والجنود إلى أفغانستان. وفي حين كانت حقوق الولايات المتحدة في استخدام هذه القاعدة آمنة إلى حد كبير في ظل إدارة "كرمانبيك بكاييف" الأتوقراطية، فقد أثارت الإطاحة بنظامه في شهر أبريل المنصرم شكوكاً حول مستقبل هذه القاعدة. وصحيح أن قرغيزستان تحكمها في الوقت الحالي حكومة أكثر انفتاحاً وديمقراطية، غير أنها حكومة ضعيفة وقد عجزت عن إطفاء نيران العنف العرقي الدموي التي اندلعت في شهر يونيو الماضي، إضافة إلى عجزها عن إقالة عمدة مدينة معادٍ لها في الجنوب. وهي حكومة لا يعول عليها في تطبيق المعايير الدولية الخاصة بالتحول الديمقراطي. وفوق ذلك كله فهي حكومة تخاطر بإثارة المزيد من التوترات السياسية والعرقية بإجرائها استفتاءً دستورياً في شهر يونيو المنصرم وإقبالها على إجراء انتخابات برلمانية في شهر أكتوبر المقبل. وهكذا يصل الاستنتاج النهائي لهذه القصة إلى أن الحكومة القرغيزية الحالية يصعب التنبؤ بما سيؤول إليه مصيرها، قياساً بالإدارة الأتوقراطية السابقة لها. وضمن هذه الاستنتاجات وصف عنوان رئيسي صدر في صحيفة "واشنطن بوست" قرغيزستان بأنها "صداع جديد" للسياسة الأميركية. لكني أرى خلاف ما يراه مثل هؤلاء المحللين. فهي دولة مهمة، ليس بسبب إيوائها إحدى أهم قواعدنا العسكرية فحسب، بل لكونها الدولة الأكثر قرباً إلى التحول الديمقراطي في المنطقة. ورغم صحة القول بأن العمليات والمؤسسات السياسية القائمة حالياً لا ترقى إلى مستوى طموح المواطنين، فإن المطالبة العامة واحترام المواطنين لنظام الحكم الديمقراطي لا يزالان يتوهجان في نفوس ومخيلة عامة الشعب. ولعل السبب الرئيسي وراء الإطاحة بنظام بكاييف في أبريل الماضي، عجزه عن الوفاء بوعود التحول الديمقراطي وقمعه للحريات السياسية وانتهاكه لحقوق الإنسان. والآن تمر قرغيزستان بمنعطف سياسي حاسم في تاريخها الحديث. ولا شك أن ما تتمخض عنه هذه المرحلة السياسية الانتقالية، سوف يكون له تأثير استثنائي على مستقبلها وعلى سياسات المنطقة المجاورة لها بأسرها. وحتى الآن، فقد اتخذت الحكومة المؤقتة خطوات ملموسة نحو الإصلاح الديمقراطي؛ بالحد من فترة حكمها، وإجراء استفتاء عام وضعَ المزيدَ من القيود والرقابة الدستورية على السلطة التنفيذية، فضلاً عن استعدادها لإجراء انتخابات برلمانية في العاشر من شهر أكتوبر المقبل. وقد صوتت أعداد كبيرة من المواطنين سلمياً لصالح الدستور الجديد، رغم الصدمة الناجمة عن موجة العنف العرقي التي شهدتها البلاد في يونيو الماضي. وتشير استطلاعات الرأي السابقة للانتخابات البرلمانية المقبلة إلى أن إقبال الناخبين سوف يكون كبيراً عليها كذلك. وفي الوقت نفسه تعهدت كبرى الأحزاب السياسية بإدارة حملات انتخابية سلمية ومسؤولة. ومن جانبها أبدت لجنة الانتخابات المركزية عزماً على إدارة الحملة الانتخابية بنزاهة وشفافية. وفي كل هذا ما يدعونا للاعتقاد بأن رياح الديمقراطية في قرغيزستان تهب في أشرعتها أكثر من أي وقت مضى. لكن رغم ذلك، فإنه من الصعب القول بحتمية التحول الديمقراطي التام في هذه الدولة. ذلك أن الانقسامات العرقية التناحرية، وممارسات الفساد المالي السياسي، ونزعة التحدي للحكومة المركزية لدى بعض المسؤولين، إضافة إلى ضعف الاقتصاد الوطني... تعتبر جميعها عوامل مثبطة لطموحات وجهود التحول الديمقراطي الكامل. وتعكس هذه التوترات بشكل واضح محاكمة أحد ناشطي حقوق الإنسان من المنتمين إلى عرقية الأوزبك خلال الأسبوع الماضي، والذي حكم عليه بالسجن المؤبد، على خلفية اتهامات لها صلة بمشاركته في أحداث العنف العرقي التي شهدتها البلاد في يونيو الماضي! ومما يزيد من هذه الصعوبات، تنامي الشكوك في وجود تدخل أجنبي في شؤون قرغيزستان الداخلية، والجهود الدولية المبذولة لمنع اندلاع نزاعات جديدة هناك. ويذكر أن الرئيسة "روزا أوتانباييف" قد لعبت دوراً بطولياً -باعتبارها أول امرأة تنصّب رئيسة لإحدى دول المنطقة كلها- في الانتقال ببلادها إلى شواطئ الديمقراطية، غير أن لها أعداء كثراً داخل قرغيزستان وخارجها. ومع ذلك، فإن الإصلاحات الديمقراطية هي الحل الوحيد لمشاكل قرغيزستان الكثيرة والشائكة. والأكثر أهمية من الدور السياسي الذي يقوم به أي قائد فرد، هو ثقة المواطنين في حكومتهم ونظام حكمهم. وما لم يتوفر الدعم الشعبي الواسع للعمليات والمؤسسات السياسية القائمة، فسوف يظل مستحيلاً التوصل إلى أي تسوية سلمية للنزاعات العرقية، أو استئصال الفساد، أو تحسين أداء الجهاز القضائي، أو تعزيز الاقتصاد الوطني، أو إنشاء شراكات دولية يعول عليها. وعلى الولايات المتحدة الأميركية والمجتمع الدولي دعم حكومة قرغيزستان -بصرف النظر عن القيادة التي تسفر عنها الانتخابات البرلمانية المقبلة- حتى يصبح ممكناً الوفاء بتطلعات الشعب القرغيزي عبر الوسائل والمؤسسات الديمقراطية. فمما يطمئن هناك، تعبير قطاعات واسعة من المواطنين عن احترامها لسيادة القانون والبرلمانات النيابية، ولمؤسسات المجتمع المدني والتعددية السياسية. وهذا ما يجب دعمه ومساندته دولياً. -------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست"