تناقلت وسائل الإعلام أول من أمس خبر فوز العالم البريطاني سير بيتر مانسفيلد (dleifsnaM reteP riS ) من جامعة نونتينجهام والبالغ من العمر سبعين عاما، والعالم الأميركي بول لاوتربر (rubretuaL luaP) من جامعة إلينــــــوي والبالـــــــغ من العمر أربعة وســـــبعين عاما، بجائزة نوبــل للطـــــب لعــــام ،2003 عن اسهاماتهما في تطويــــر جهــــاز الرنيــــن المغناطيســــي (gnigamI ecnanoseR citengaM) والمعروف اختصارا بـ (IRM ) ، والشائع الاستخدام في مجال التشخيص الطبي· فحسب الإحصائيات يوجد حاليا حول العالم أكثر من عشرين ألف جهاز رنين مغناطيسي في المستشفيات ومراكز التشخيص وحتى العيادات الخاصة، يتم من خلالهما إجراء أكثر من 60 مليون فحص تشخيصي سنويا، وهو ما يجعل أجهزة الرنين المغناطيسي أحد أهم أجهزة التشخيص الحديثة على الإطلاق·
ولفهم كيفية عمل هذا الجهاز العبقري، يجب أن نسترجع هنا بعض مبادئ الفيزياء وبالتحديد الفيزياء الحيوية· فجميعنا يعلم أن المادة مكونة من جزيئات تتكون بدورها من ذرات، وفي حالة الماء تتكون جزيئاته من ذرات هيدروجين وأوكسجين·
وفي حالة ما إذا تعرضت ذرات الماء (بالتحديد ذرات الهيدروجين) لمجال مغناطيسي قوي، تنتظم كلها في اتجاه واحد، تماما كما تنتظم مجموعة من البوصلات مثلا عن تعرضها لمجال مغناطيسي· وبما أن الماء في معظم أنسجة الكائنات الحية، يصبح من الممكن توجيه جميع ذرات الهيدروجين الموجودة داخل النسيج الحي من خلال مجال مغناطيسي قوي· هذه الفكرة البسيطة هي بالتحديد المبدأ الذي يعمل من خلاله جهاز الرنين، فعند تعريض أنسجة المريض لمجال مغناطيسي قوي من خلال الجهاز، تنتظم ذرات الماء في أنسجته في اتجاه واحد وعند وقف التأثير المغناطيسي عليها، تعود إلى حالة البعثرة مرة أخرى وهلم جرا· وبتكرار هذه العملية يحدث نوع من (الرنين) تنتظم فيه ذرات الماء ثم تتبعثر ثم تنتظم ثم تتبعثر· وأثناء انتظام وتبعثر ذرات الماء يخرج منها نوع من الموجات الترددية ممكن قياسها· وبما أن كمية الماء داخل الأنسجة المختلفة تختلف عن بعضها بعضا، تختلف قوة الترددات الناتجة عن كل نسيج، وهو ما يسمح ببناء صورة ثنائية الأبعاد، تستخدم الاختلاف في الترددات الناتجة عن الأنسجة المختلفة كدليل لرسم الفروقات بين الأنسجة مع بعضها بعضا، وحتى الاختلافات داخل النسيج نفسه· ولذا يمكن تلخيص عملية الفحص بالرنين المغناطيسي على أنها عملية يتم تعريض المريض فيها لمجال مغناطيسي قوي متقطع، يعمل على تحريك ذرات الهيدروجين داخل جسمه بين حالتي الانتظام والبعثرة، وهي الحركة التي تنتج عنها موجات اشعاعية يتم قياس قوتها ورسم صورة للأعضاء البشرية، على أساس الاختلافات في قوة الترددات الناتجة عن الأنسجة المختلفة·
هذه الفكرة (البسيطة-المعقدة) ساهم لاوتربر والذي يعمل في معمل الرنين المغناطيسي الحيوي في جامعة إلينوي (yrotarobaL gnigamI ecnanoseR lacidemoiB)
في تطويرها من خلال اكتشافه لإمكانية رسم صور ثنائية الأبعاد، من خلال الترددات الموجية الصادرة عند تعريض الذرات لمجال مغناطيسي متقطع· أما البريطاني بيتر مانسفيلد فساهم في تحقيق هذا الإعجاز العلمي من خلال تقديمه لمعادلات رياضية تستخدمها أجهزة الكمبيوتر في تفسير وتحليل الترددات الصادرة عن الذرات وبسرعه هائلة· بحيث يمكن رسم صور ثنائية الأبعاد بسرعه ودقة متناهية، بما في ذلك صور للأعضاء البشرية أثناء حركتها مثل القلب أثناء خفقانه· وبعد عقد كامل من تقديم كل من العالمين لمساهمتهما العلمية، أصبح من الممكن تطبيق نتائج بحوثهما النظرية في الظروف الإكلينيكية السريرية، وتغير وجه الطب والعلاج تماما إلى الأبد، إلى درجة جعلت بعض العلماء والأطباء يصرحون بأن أجهزة الرنين المغناطيسي هي أحد أهم الأجهزة الطبية على الإطلاق، لما لها من تأثير عميق على أساليب التشخيص والعلاج المتبعة حاليا في أحدث المراكز الطبية حول العالم·
وجدير بالذكر أن قيمة جائزة نوبل للطب تبلغ عشرة ملايين كورون سويدي أو ما يعادل 1,3 مليون دولار، هذا بالإضافة طبعا إلى قيمتها الأدبية والمعنوية التي يصعب وضع ثمن مادي عليها· وعلى رغم أنه لا توجد معايير محددة للفوز بجائزة نوبل للطب إلا أن الفريد نوبل ذكر في وصيته أن الفائز يجب أن يكون قد قدم أهم الاكتشافات في مجالي الطب أو الفسيولوجيا · وتقوم اللجنة المختصة باختيار الفائز بطلب التوصيات والترشيحات للجائزة من قبل العلماء الذين فازوا بها سابقا، ومن أساتذة الطب والجهات العلمية المشهورة حول العالم· ومن ضمن الأسماء التي يتم ترشيحها من قبل هؤلاء يتم اختيار الفائز في بداية فصل الخريف، على أن تمنح الجائزة في العاشر من ديسمبر من كل عام، وهو اليوم الموافق لتاريخ وفاة ألفريد نوبل في عام·1896 وفي العام الماضي تم منح جائزة نوبل للطب مشاركة بين البريطانيين سيدني برنر و جون سيليستون والأميركي روبرت هورفتز لاكتشافاتهم المتعلقة بكيفية عمل الجينات الوراثية وخصوصا