هناك شيء غير متوقع، بزغ مع إعادة إطلاق المفاوضات المباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين، وهو بصيص مما يبدو وكأنه نوع من التفاؤل. فبعد عامين من النفور والمشاكسة، يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي"بنيامين نتنياهو"، ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الظهور بأفضل مظهر حيث يقولان ما يتوجب قوله حول اقتناص الفرصة المتاحة، بل ويربتا على ظهر بعضهما بعضا، كما لو كانا صديقين حميمين - وهما ليس كذلك. ونحن، بالطبع، رأينا مثيلًا لمثل هذه الجلسة الافتتاحية من قبل. والأقوال السائدة بشأنها في الوقت الراهن تتركز حول أنها لا تعدو كونها مجرد "عرض" يهدف إلى استرضاء أوباما، الذي بذل قصارى جهده من أجل عقد هذه المحادثات منذ يوم تنصيبه. وتشير كافة الدلائل إلى أن الطرفين لا يزالان على طرفي نقيض حول القضايا الرئيسية التي كانت سبباً في الخلاف بينهما خلال العقود الطويلة الماضية. فالناخبون الإسرائيليون والمقاتلون الفلسطينيون، لا يبدون على استعداد في الوقت الراهن، للتوصل إلى التسويات الصعبة، وهو ما يجعلنا متشككين حول المحصلة التي ستنتهي إليها تلك الانتخابات، خصوصاً وأن التشكك نادرا ما ثَبُت خطأه في الشرق الأوسط. والراهن هو أن بعض المتشككين يقولون إن العناصر الجديدة في نسيج هذه المحادثات يمكن أن تمنحها فرصة جيدة لتحقيق تقدم، لم يسبق أن حدث من قبل، في جولات المحادثات العديدة التي بدأت وانتهت بين الطرفين دونما نتيجة. ونتنياهو "الصقر غير المهادن، والمعارض لاتفاقية أوسلو للسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين عام 1993 يقول الآن إنه يريد عندما يغادر منصبه أن يخلف وراءه تركة سلام. وهو قول يؤكد معاونوه أنه يعنيه بالفعل. أما أوباما، فإنه قرر، وبعد سلسلة من الاصطدامات المباشرة مع نتنياهو، أن يتراجع خطوة للوراء، ويقبل رئيس الوزراء الشرس على علاته. ولكن الفارق الأكبر بين هذه المفاوضات وبين ما سبقها، هو شيء يقع خارج إطار الأطراف الجالسة على طاولة المفاوضات ويتمثل في: إيران. فالتهديد الذي تمثله إيران- إذا حصلت على سلاح نووي، يمثل قاسماً مشتركاً بين إسرائيل وبعض دول الشرق الأوسط، والولايات المتحدة، يدفعها جميعا للعمل سوياً، ضد القوة الإقليمية، التي يخشونها جميعاً. وعلى الرغم من العقوبات المشددة ضد إيران، فإنها لا تزال تخصب اليورانيوم، الذي يمكن أن تستخدمه في تصنيع القنبلة النووية في بحر عام من الآن ـ بحسب خبراء أميركيين. وعقب فشل المفاوضات بين إيران والقوى العالمية الرئيسية، ضاعفت إسرائيل من عدد تحذيراتها القائلة أنها ستعتبر إيران المسلحة نوويا تهديداً لها يبرر شن ضربة جوية لاتقائه، وهي تحذيرات يأخذها الأميركيون ـ كما يعترفون بذلك ـ على محمل الجد. وإدارة أوباما تريد تجنب هذه الكارثة، ولكنها تواجه بوضع حرج. هذا الوضع عبر عنه "توماس رايدل" المستشار السابق لأوباما وآخرين، من خلال العرض على إسرائيل منحها تعهداً رسمياً علنيا، بأن أي هجوم من جانب إيران على الدولة اليهودية، سوف يقابل بانتقام من جانب الولايات المتحدة، التي قامت بالفعل باتخاذ بعض التدابير الدفاعية في المنطقة المتاخمة لإيران. ولكن الإسرائيليين يقولون إن ذلك كله ليس كافياً. وهم يستندون في سبيل إثبات صحة ذلك الى حجة مؤداها أن الإيرانيين، حتى ولو لم يقوموا بمهاجمة إسرائيل مباشرة، فإن حصولهم على السلاح النووي سوف يؤدي لزيادة نفوذهم في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، مما يهدد الأمن الإسرائيلي بشكل غير مباشر. وما تريده إسرائيل هو هامش زمني يسمح لها بالتخطيط لتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران. فهي تعرف جيداً أنها لو فعلت ذلك، فسوف تجد مؤيدين دوليين جاهزين في الصباح التالي مباشرة. والمحادثات السلمية بين العرب والإسرائيليين تفيد في هذا الجزء، من حيث أنها تسهل على الدول العربية الاحتفاظ بعلاقاتها مع إسرائيل. ولكن إذا ما كان التهديد النووي الإيراني قد ساعد على البدء في المفاوضات، فإنه ليس كافيا وحده لتأمين وصولها للنهاية. والحال أن نتنياهو قد نجح في تعزيز موقف إسرائيل من خلال ترقيع علاقته مع أوباما، والموافقة على المفاوضات المباشرة، دون أن يضطر إلى التخلي عن أي شيء في سبيل ذلك على الرغم من أن التوصل لاتفاق نهائي مع الفلسطينيين سوف يتطلب تقديم تضحيات كبيرة، مثل تفكيك بعض المستوطنات في الضفة الغربية، والتخلي عن السيادة الإسرائيلية على جزء من القدس الشرقية (وهو احتمال ألمح إليه وزير الدفاع إيهود باراك الأسبوع الماضي.. ولكن المشكلة هي أن باراك يقف في أقصى نقطة إلى اليسار من تحالف نتنياهو اليميني وأن باقي مجلس الوزراء لم يعلن موافقته). وعباس وأوباما بالإضافة لذلك، سوف يتحملان من جانبهما مخاطر سياسية كبيرة للتوصل إلى اتفاقية. فعباس، سوف يضطر لإقناع قاعدة تأييده بقبول محصلة لتلك المفاوضات تقل كثيراً عن مطالبتهم بما في ذلك، في كافة الاحتمالات، التخلي" عن حق العودة" إلى فلسطين، علاوة على ذلك فإنه كلما زاد حجم التنازلات والتسويات التي يقدمها عباس، كلما تزايدت بالتالي احتمالات الحرب الأهلية التي تلوح نذرها الآن بالفعل بينه وبين أعدائه في "حماس". أما أوباما، فهو يغامر من جانبه بإبعاد الأميركيين، الذين يفضلون لو أنه كان قد قام بتركيز اهتمامه على تحسين اقتصاد بلاده بدلاً من الانغماس على هذا النحو في محادثات السلام في الشرق الأوسط. ومما يفاقم من هذا الاحتمال، أن أوباما، سيجد نفسه - بالتأكيد - مضطراً في نقطة معينة من نقاط تلك المفاوضات إلى الضغط على إسرائيل، كي تقدم تنازلات... وهو موقف يسعى الرؤساء الأميركيون عادة لتجنبه خصوصاً إذا كانوا يتطلعون للاستمرار لولاية ثانية في الحكم. لذلك يبدو التشكك مبرراً في مثل هذه الحالة. والشيء اللافت للنظر أن أوباما قد جعل هدف هذه المفاوضات ليس "الإتمام" وإنما تحقيق "تقدم" أي أنه يريد اتفاقية إطار، وليس اتفاقية سلام حقيقية. نتوصل من ذلك كله أن هذه المفاوضات مدفوعة بالخوف من الفشل، وليس بتطلعات السلام الكبيرة.. .ولكن في الشرق الأوسط، فإنه حتى هذا يمثل في حد ذاته سبباً كافيا للاحتفاظ ببصيص ضئيل من التفاؤل. دويل ماكمانوس كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة" إم.سي.تي. إنترناشيونال"