في نهاية شهر أغسطس، أو بداية شهر سبتمبر من كل عام، تشهد العاصمة السويدية، استكهولم، مؤتمراً هو الأكبر من نوعه في العالم، تدور محاوره حول قضايا الماء المختلفة، في جميع بقاع ودول المعمورة. وهذا المؤتمر، الذي أصبح يعرف باسم الأسبوع العالمي للماء في استكهولم (World Water Week in Stockholm)، بدأ عام 1991 كندوة استشرافية لمناقشة قضايا الماء، وبمرور الوقت أصبح واحداً من أكبر المؤتمرات الدولية على الإطلاق، حيث تشارك في تنظيمه حاليّاً 200 منظمة دولية وجهة حكومية، ويقارب عدد الحضور فيه الثلاثة آلاف شخص. ويأتي هذا التضخم في الجهات المنظمة وفي عدد الحضور نتيجة تزايد إدراك أفراد المجتمع الدولي ومنظماته، لخطورة قضايا الماء على حياة الأفراد، وعلى استقرار المجتمعات، والأمن العالمي برمته. وربما كان أفضل مثال على ذلك، هو موضوع مؤتمر هذا العام، الذي يعقد بين الخامس والحادي عشر من شهر سبتمبر الجاري، تحت عنوان تحدي نوعية الماء (Water Quality Challenge)، والمقصود به التحديات التي تواجه الشعوب والدول للحصول على كميات كافية من الماء ذي النوعية الملائمة لسد احتياجات الأفراد، ودعم الأنشطة الزراعية الضرورية لتوفير المتطلبات الغذائية. فليس بالخفي أن العالم يمر حاليّاً بأزمة دولية من نقص وشح المياه العذبة الصالحة للاستخدام الآدمي، وهو ما يضطر الكثيرين للجوء إلى مصادر مياه قد تكون ملوثة. فمن المعروف أن مصادر المياه العذبة على كوكب الأرض هي مصادر محدودة وثابتة، وإن كان عدد أفراد الجنس البشري الذين يحتاجونها في ازدياد مستمر. فمصادر المياه التي كانت تسد حاجة مليار شخص قبل عقود قليلة أصبح عليها الآن أن تسد احتياجات ستة مليارات حاليّاً، وتسعة مليارات في المستقبل القريب. وبالإضافة إلى زيادة أعداد البشر ازدادت أيضاً متطلبات واحتياجات الشخص الواحد من المياه العذبة، بالترافق مع ارتفاع مستويات المعيشة وزيادة التطلعات. وفي ظل تراجع حصة كل فرد من أفراد الجنس البشري من المياه الصالحة للشرب زاد الاعتماد على المياه الملوثة، مما نتجت عنه أيضاً بالتبعية زيادة مماثلة في مدى انتشار الأمراض المنقولة بالماء. وهذه النوعية من الأمراض تنتج عن العدوى بجراثيم مرَضية، تنتقل إلى جسم الشخص بشكل مباشر عند استهلاكه لمياه ملوثة، وإما أن تكون بسبب البكتيريا كما هو الحال مع مرضي الكوليرا والدوسنتاريا، أو أن تكون بسبب الفيروسات كما هو الحال مع مرضي التهاب الكبد الفيروسي (أ) أو شلل الأطفال، ويمكن أيضاً أن تكون نتيجة طفيليات مثل الأميبيا، أو ديدان مثل البلهارسيا والإسكارس، وغيرها كثير. وتشير التقديرات السنوية إلى أن أكثر من خمسة ملايين شخص يلقون حتفهم حول العالم بسبب الأمراض المنقولة بالماء، وهو رقم يزيد عن عشرة أضعاف من تقتلهم الحروب والصراعات المسلحة سنويّاً، بل إن واحداً فقط من هذه الأمراض -الإسهال- يعتبر وحده مسؤولا عن وفاة 1.8 مليون طفل سنويّاً. ولا تقتصر مخاطر المياه الملوثة على ما يستهلك منها فقط من خلال الشرب، أو الاستحمام، أو طهي الطعام، بل تمتد هذه المخاطر أيضاً إلى المنتجات الغذائية الزراعية، فحسب تقرير صدر مؤخراً عن المعهد الدولي لإدارة المياه (International Water Management Institute)، المسؤول عن تنظيم الأسبوع العالمي للمياه في استكهولم، ظهر أن 200 مليون شخص في 53 مدينة حول العالم يتعرضون لمخاطر صحية جمة من جراء تناول أطعمة ومنتجات غذائية استخدمت في زراعتها مياه مجارٍ ملوثة بالمعادن الثقيلة، وبالمخلفات البشرية غير المعالجة. فمن خلال مسح أجري على المزارع الموجودة بالقرب من المدن -أو داخلها في بعض الأحيان- اكتشف الباحثون أن 80 في المئة منها تستخدم مياهاً ملوثة لم تتم معالجتها. وتنتشر هذه الظاهرة بشكل كبير إلى درجة أن التقديرات تشير إلى وجود أكثر من 20 مليون هكتار حول العالم، يتم ريها باستخدام مياه ملوثة غير معالجة، معظمها في الدول الآسيوية مثل الهند والصين وفيتنام، بالإضافة إلى المناطق المحيطة بمعظم المدن الأفريقية جنوب الصحراء، ومدن أميركا اللاتينية. والغريب أن هذه الممارسات الخطيرة لا يقتصر وجودها على دول العالم الأشد فقراً، أو الأقل في متوسط الدخل القومي، بل تتواجد أيضاً حول العديد من الدول متوسطة الدخل. وكما هو الحال مع الاستخدام المباشر للمياه الملوثة، في الشرب، أو الاستحمام، أو الطهي، يمكن رد الاستخدام غير المباشر للمياه الملوثة في الإنتاج الزراعي إلى الأزمة العالمية في المياه النظيفة، بالإضافة إلى الأزمة العالمية في الغذاء، التي دفعت بأسعاره إلى مستويات قياسية، مما جعل تلك الممارسات غير الصحية أكثر ربحية، وأعلى عائداً لمستخدميها. وهذا الموقف برمته جعل الأمن المائي أو قدرة المجتمع -المحلي أو الدولي- على ضمان احتياجاته من المياه العذبة الصالحة للاستخدام الآدمي وللزراعة من أهم القضايا التي أصبحت تشغل اهتمام القيادات السياسية، وتؤرق مضاجع أفراد المجتمع الطبي، والعاملين في مجال الصحة البيئية. ولكن في ظل التزايد السكاني المستمر، والتغيرات المناخية الدولية، وما تؤدي إليه من جفاف أحياناً وفيضانات أحياناً أخرى، وتزايد مساحات المناطق الحضرية من خلال ظاهرة التمديُن، والاستخدام الجائر للمياه الجوفية، وتلوث المنابع، وارتفاع درجة الملوحة في العديد من المصادر المائية، يمكن بسهولة إدراك حقيقة أن الجنس البشري أصبح على شفا أزمة مياه خطيرة، تهدد حياة وبقاء العديد من أفراده ومجتمعاته. د. أكمل عبد الحكيم