ما تزال مسألة الفساد في العالم العربي تحتل مكاناً مركزياً في وعي الشعوب العربية، على نحو فاجع، دون أن تكون جلّ الدول العربية مهيأة، على الأقل، للحد من أعبائه ونتائجه المأساوية في أوساط الطبقات والفئات المتوسطة. فثمة فريقان اثنان يشغلان المكان الأعظم في ذلك الأخير (القاع)، هما الفقراء التقليديون الذين يتحملون الأعباء الكبرى في المجتمعات العربية، والمفقرون الجدد الآخذون في التزايد من مواقع الطبقات والفئات الوسطى الآخذة بوتائر مختلفة في التشظي والتساقط. وقد اتسعت دائرة الفساد إياه، حيث اتجه نحو قطاعين جديدين قديمين بوتائر مقلقة، وصلت إلى أوساط البوليس الدولي (الإنتربول)، وهما المخدرات والبغاء. وقد جاءت بعض وقائع المسألة المذكورة في مقالة نشرت في صحيفة "الجزيرة" السعودية، ونقلت عنها نشرة سورية تصدر بعنوان (العربي الاشتراكي - أغسطس 2010)، لتؤكد ذلك بشقّه المالي والاقتصادي، "من يصدق أن الفساد كلف الدول العربية ما يقارب الألف مليار دولار تم إنفاقها جميعاً بطرق غير مشروعة؟ حيث أكد المشاركون في مؤتمر (نحو استراتيجية لمكافحة الفساد) أن أغلب الدول العربية تعاني من الفساد". ويبدو أن الأمر عريق في نشأته، حيث يشير د. عامر خياط الأمين العام للمنظمة العربية لمكافحة الفساد، إلى أن الفساد المركز للدول العربية خلال الفترة من 1950 حتى 2000 بلغ ثلاثة آلاف مليار دولار، أنفقت بنحو ألف مليار دولار على التسلح وألف مليار دولار على مشاريع تنموية والتعليم والبنية التحتية، وألف مليار دولار ذهبت بشكل غير شرعي لتسهل على البندين السابقين. وهذا التريليون الأخير كان يمكن الاستفادة منه في علاج كثير من المشاكل التي تواجه الدول العربية، منها الفقر والغذاء، ورفع دخل المواطن العربي بنحو 200 دولار، وتحقيق الاكتفاء من المياه بدلاً من مشاريع تحلية المياه المكلفة، ومحو الأمية وتوفير فرص عمل للمواطن العربي. بل هنالك من الباحثين المراقبين الغربيين، مثل "كريستيان فرجينز" رئيس شعبة إصلاح القطاع العام وممثل منظمة التعاون الاقتصادية والتنمية، الذي يرى أن الفساد هو المسؤول عن الأزمة المالية العالمية، وعمّا صاحبه من تبعات على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي. ولابد من القول إن مرحلة الهجوم المتوحش للعولمة دشنت في العالم كله، ومن ضمنه البلدان العربية، حالة من التفكك الذي طال وما يزال يطول كل تلك البلدان ويعيث فيها فساداً. والقطاع الذي دخل حالة الفساد والإفساد من ضمن ذلك هو "الدولة"، فباسم التحول نحو اقتصاد يحمل أعباء الإصلاح والتغيير، أخذ دعاة الفساد والإفساد الشامليْن، طلع علينا اقتصاديون ومرجعيات اقتصادية يعلنون أن نمطاً من الاقتصاد هو وحده القادر على الحفاظ على حقوق "الوسطويين" و"القاعيّين" في المجتمعات العربية (وتخصيصاً هنا في المجتمعات الشمولية)، مع القدرة على دفع عجلة التغيير إلى الأمام، إنه "الاقتصاد الاجتماعي". وقد ظهرت في السنوات القليلة المنصرمة معطيات دلّلت على أنه باسم هذا الاقتصاد، أخذت تجري -في جل العالم العربي- عملية شفط شبه كلية للمال العام من قِبل طُغم اقتصادية ومالية. والآن وفي سياق التهدم المنهجي، الذي يجتاح العالم العربي بأساليب فظيعة قاطعة، يطرح الناس هنا سؤالاً وحيداً أعظم: منَ يحمي أولئك في الداخل و الخارج، دون طرح السؤال البسيط: من أين لك هذا؟