لا أحد استثمر التاريخ كما يفعل الصهاينة اليوم وغداً وإلى نهاية العالم، فالأخبار تقول إن متطرفين يهوداً سيرفعون قضية على الحكومة البريطانية لأنها منعت لاجئين يهود من الهجرة إلى فلسطين أثناء الانتداب البريطاني. وعلى الرغم من مرور 60 عاماً على المحرقة - والتي لا يزال البعض يشكك في تفاصيلها، إلا أن اليهود مازالوا يتحدثون عن هذه الجريمة وكأنها حصلت أمس، ويحاولون دائماً التشبث بموقع الضحية أمام انتهاكات يرون أن الآخرين ارتكبوها في حقهم، وعليه فإن العالم مجبر على تعويضهم عن كل ما فقدوه. وتأتي الأخبار من جانب آخر عن الأزمة الأخلاقية التي تعيشها إسرائيل فهناك سرقة أعضاء المرضى الفلسطينيين، إضافة الى السرقات التي حدثت في جريمة الاعتداء على سفينة المساعدات التركية المسماة بسفينة "الحرية". ففي الوقت الذي عانى فيه أسرى السفينة هلعاً وموتاً بشعاً، فإن الجنود الإسرائيليين الذين شنوا هجوماً على السفينة، كانوا مشغولين في سرقة بطاقات ائتمان وحواسيب شخصية خاصة بالركاب، باحثين عن كل ما له سعر في السوق. إذاً ليست أكاذيب فقط إنها سرقة وإجرام مشهر بشكل يرجح إظهار حقيقة الصهيونية وأن الخزافات التي يزعمونها عن كونهم شعب الله المختار تكشف حقيقة فاشيتهم وإجرامهم متعدد الأشكال. وفي المهرجانات السينمائية عرض فيلم روائي طويل عن قصة شابة فلسطينية تعيش في الولايات المتحدة إبان حرب الخليج عام 1991، وكيف أن والدها الطبيب فَقَدَ زبائنه بسبب العنصرية، التي تمثلت في أن الأميركيين يرفضون العلاج على يد طبيب عربي. وينتهي الفيلم بعلاقة إنسانية بين البطلة وأستاذ يهودي جامعي الذي كان طوق نجاة لها في ظل ظروفها الصعبة. والسؤال: لماذا تأتي شخصية اليهودي بكل هذه الإيجابية؟ ولماذا نسعى نحن العرب دوماً لإثبات ثقافة التسامح التي علينا أن نعيشها، ونحن الذين نعاني في فلسطين وبقية الأراضي المحتلة من سرقة الأرض والبشر، ونعاني أيضاً من جريمة لا تتوقف يومياً في كل شبر من فلسطين المحتلة؟ وإذا كانت هناك حالات استثنائية من اليهود، فهذا لا يعني أن أروج لها وأنسى كل عذابات الفلسطينيين منذ عدة قرون. فهؤلاء القتلة أو السفاحون في معنى أكثر دقة لا يفترض أن أعتبرهم فرصة لحوار مشترك فالمجني عليه هو المفترض أن يكون صاحب القصة العظيمة وإن كان الواقع يصعب وصفه فليس من المنطق أن تتم الهرولة لغرس لغة حوار مع مجرمي حرب ومزوري تاريخ وأبطال أكاذيب بالجملة. ما يفعله اليهود ليس اعتباطياً، وإنما هي ألاعيب مدروسة بدقة ومحددة النتائج رغم كل الظروف والتداعيات والمستجدات. بالتأكيد هناك قصص إنسانية ليهود يصدقون بأن فلسطين عربية، ولكن قبل أن نقول بوجودهم علينا أولاً أن نقول معاناة شعب أعزل وكابوس جدار عنصري وحصار لحياة إنسانية تمت إبادتها عمداً ومع سبق الإصرار. وإذا كان لابد من أفلام فإن القهر والعذاب هما أول هذه القصص وأكثرها أهمية على الإطلاق.