صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

جيمس جيفري... مهمة جديدة في العراق

"لا يزال العراق بلداً يعاني من مشكلات غير عادية، لكنه حقق الكثير من التقدم"... "نأمل في مواصلة الانخراط في علاقات أوسع وأعمق مع العراق على الصعيد السياسي والتعليمي والأمني والاقتصادي والتجاري وفي مجال الطاقة، علاقات كتلك التي تتمتع بها الولايات المتحدة مع منطقة الشرق الأوسط"... هكذا جاءت بعض تصريحات جيمس فرانكلين جيفري، السفير الأميركي الجديد في العراق، يوم الخميس الماضي لأحد مراسلي صحيفة أميركية بعد أيام قليلة من تسلمه مهام عمله، خلفاً لكريستوفر هيل الذي كان معنياً بالملف النووي الكوري الشمالي.

السفير الجديد الذي باشر مهمته يوم 18 أغسطس الجاري، يرى أن تحسن الحالة الأمنية في العراق جعل من الممكن تحقيق هدف واشنطن المتمثل في تخفيض عدد القوات الأميركية ببلاد الرافدين إلى 50 ألف جندي بعدما كان قوامها هناك 150 ألفاً.

"جيفري" الذي قوبل بترحاب واضح من ساسة العراق، يدرك جيداً حجم التحديات التي تواجه هذا البلد لا سيما أن إدارة أوباما بدأت بالفعل في تطبيق خطة الانسحاب التدريجي، وربما يعلن الجيش الأميركي رسمياً إنهاء عملياته القتالية في العراق غداً، مما يجعل أمام السفير الجديد مهمة ليست سهلة، خاصة وأن القيادات العراقية التي التقاها تركت لديه انطباعاً مفاده أن سلفه "كريستوفر هيل" لم ينخرط بالشكل الكافي في العملية السياسية داخل العراق. فهل تحفل سيرة "جيفري" الذاتية بما يضمن له النجاح في مهمته؟

السفير الجديد من مواليد ولاية ماساشوستس، وحصل عام 1969 على بكالوريوس في التاريخ من جامعة Northen Eastern ، ونال درجة الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة بوسطن عام 1977... وهو حاصل على دبلوم في اللغة الفرنسية من جامعة باريس. وخدم في الجيش الأميركي خلال الفترة من 1969 إلى 1976 ، حيث كان ضابطاً في سلاح المشاة وتنقل خلالها ما بين ألمانيا وفيتنام.

لقد التحق بالعمل الدبلوماسي منذ عام 1977، ما يعني أن خبرته في الخارجية الأميركية تجاوزت الثلاثين عاماً. "جيفري" ليس غريباً على منطقة الشرق الأوسط، فقد كان دبلوماسياً بالسفارة الأميركية في الكويت من عام 1996 إلى 1999، كما عمل في أنقرة خلال الفترة من 1985 إلى 1987، ثم عاد إليها مرة أخرى نائباً لرئيس البعثة الأميركية من 1999 إلى 2002، وخدم في تونس وبلغاريا. الأهم من ذلك كله أنه كان المستشار الخاص لوزارة الخارجية الأميركية لشؤون العراق، ثم نائباً لرئيس البعثة الأميركية في العاصمة العراقية بين عامي 2004 و2005، ليصبح بعدها قائماً بالأعمال في بغداد.

السفير الجديد يتحدث الألمانية والفرنسية والتركية، وعمل نائباً لمدير المكتب المعني بعملية سلام الشرق الأوسط، والنائب الأول لمساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط، ونائباً للمستشار الرئاسي الخاص بتطبيق اتفاقات البوسنة، ومساعداً لمستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي إبان إدارة بوش.

الخبرات المهنية التي اكتسبها "جيفري" ستساعده في إنجاز مهمته، داخل أكبر سفارة أميركية في العالم، وفي البلد الذي فقدت فيه الولايات المتحدة 4400 جندي، فلا شك أن طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة والعراق ستتغير، على الأقل بسبب تخفيض الوجود العسكري، مما يستوجب تكثيف الدور السياسي، وهذا ما دللت عليه تصريحات للسفير الجديد قال فيها (إن انتهاء العمليات القتالية لا يعني أن الولايات المتحدة تفك ارتباطها مع العراق ...سنحاول أن نقدم العون ولن نتخلى عن العراق، بل إننا لن نغادر هذا البلد...إننا ببساطة نسمح لأنفسنا بإنهاء وجودنا العسكري البري". مرحلة جديدة عنوانها التشاور والتفاوض ومنع الأمور من الانفلات باتجاه الفوضى... مرحلة تتطلب حواراً أميركياً- عراقياً يعزز التسوية السياسية، الرامية إلى تشكيل الحكومة العراقية في أسرع وقت ممكن وبأكبر قدر من الوفاق بين كافة أطياف العراق السياسية، ومع انسحاب القوات الأميركية تخطط واشنطن لتوسيع وجودها المدني، من خلال قنصليتين إحداهما في البصرة والأخرى في أربيل، وبعثتين دبلوماسيتين في كل من الموصل وكركوك. ويبدو أن "جيفري" قد شرع في لعب دور في العملية السياسية من خلال لقائه بعض السياسيين المنتمين لأطياف مختلفة، علماً بأن اتفاقية الإطار الاستراتيجي تتضمن دوراً للولايات المتحدة في تعزيز الديمقراطية في العراق، لكنه لم يقابل عناصر من التيار "الصدري"، فهؤلاء يرفضون الجلوس مع مسؤولين أميركيين، وحاولوا داخل البرلمان العراقي، عرقلة اتفاقية "تموضع القوات".

"جيفري" القادم من تركيا المجاورة للعراق، ستكون عليه مسؤولية احتواء الملف العراقي، الذي بات اليوم في ساحة الخارجية الأميركية، بعد أن كان أمر هذا البلد متعلقاً منذ عام 2003 بالبنتاجون، علماً بأن المرحلة المقبلة تتطلب تنسيقاً بين وزارتي الخارجية والدفاع الأميركيتين، وعندها ربما يستدعي السفير الجديد خبرته العسكرية كضابط في المشاة ومساعد لمستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي، كي يحقق نجاحاً في مساعدة العراق إلى الانتقال إلى بر الأمان. ومن المأمول أن يتمكن "جيفري" من التنسيق مع قائد القوات الأميركية في العراق، والذي سيكون مسؤولاً منذ سبتمبر المقبل عن 50 ألف جندي أميركي، علماً بأن هذا التنسيق لم يتحقق كما ينبغي على يد سلفه "كريستوفر هيل".

وبمقدور "جيفري" أيضاً استثمار سنوات خدمته في تركيا بما فيها من علاقات مع صناع القرار في أنقرة، لوضع حل لبعض الإشكاليات الخاصة بشمال العراق (منطقة الأكراد)، خاصة وأن أنقرة يمكنها لعب دور إيجابي في منطقة هي أصلاً على تماس مباشر معها.

السفير الجديد الدارس للتاريخ وإدارة الأعمال، والذي خدم في إدارة بوش التي لا تزال مسؤولة- أو الأقل يراها كثيرون هكذا- عن بعض مشكلات العراق، ها هو الآن يحاول تنفيذ سياسة أوباما التي تؤشر إلى انعطافة استراتيجية في تعامل واشنطن مع بغداد، ليس أقلها تقليص الوجود العسكري، وتحويل بوصلة الأميركيين من العمل العسكري إلى الدبلوماسية والحوار السياسي البناء، فهل ينجح في مهمته؟

طه حسيب





الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟