الإحياء الديني ظاهرة تاريخية سواء في الغرب أو في الشرق أو في العالم العربي الإسلامي، الوسيط بين الغرب والشرق، والذي يمتد عبر أفريقيا وآسيا في المركز، وأوروبا وأميركا في الأطراف. فظاهرة الإحياء الديني ليست مقصورة على العالم العربي الإسلامي وحده، بل هي عامة في الغرب والشرق على حد سواء على رغم اختلاف الظروف في نشأتها، والأشكال في تكوينها، والأهداف والبواعث في حركتها. ففي الغرب ارتبط الإحياء الديني بنهاية الحداثة وبسلب التنوير، أفضل ما أخرج الغرب في القرن الثامن عشر. فبعد الإصلاح الديني في القرن الخامس عشر، والنهضة في السادس عشر، والعقلانية في السابع عشر، والتنوير في الثامن عشر، والثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، وتكنولوجيا القرن العشرين، يبدو أن الغرب قد بدأ يغلق القوسين، قوسي العصور الحديثة، ومُثله في العقل والعلم، وفي النقد للموروث، وفي معرفة قوانين الطبيعة. وبعد نقد كل شيء لم يعد شيئاً، ومعرفة قوانين الطبيعة أدت إلى حربين عالميتين طاحنتين، وصعود النازية والفاشية، وإلقاء قنبلتين ذريتين على هيروشيما وناجازاكي. أما الفردية وحقوق الإنسان فقد انتهت إلى الأنانية والنسبية وضياع حقوق الإنسان غير الأبيض. كما تم انتهاك مُثل التنوير خارج أوروبا بداية بإحضار الرقيق من أفريقيا إلى أوروبا وأميركا وبدايات الاستعمار الحديث والقضاء على استقلال الشعوب، ونهب ثروات الأمم المغلوبة. وقوضت الحضارة الغربية نفسها بنفسها، وانتهت إلى العدمية والنسبية والشك واللاأدرية، ولم يعد الشباب قادراً على الولاء لشيء حتى للثقافات المضادة التي ازدهرت بعد ثورته في أحداث مايو الفرنسية 1968. فعادت الشعوب الأوروبية تبحث في ماضيها عن حل لأزمة حاضرها الذي كان مستقبلها في بدايات العصور الحديثة فوجدته في موروثها القديم، الدين أو العِرق. فظهر الإحياء الديني كنوع من الدعامة للوعي الأوروبي وهو في مرحلة الأفول والحضارة الغربية وهي في مرحلة النهاية، وهو اختيار ما قبل المثالية، اختيار العصر الوسيط. فإذا ما عاد الوعي الأوروبي إلى بداياته الوثنية الأولى فإنه يكتشف العرق كما هو الحال في ألمانيا مع صعود النازية. فالإحياء الديني في الغرب رد فعل على نهاية العصور الحديثة وإفلاسها، ومحاولة إيجاد بداية جديدة أو عوْد إلى البداية القديمة. وفي الشرق بعد بدايات التصدع في المعسكر الشرقي نظراً للحكم الشمولي القهري، وضياع الحريات العامة وحقوق الإنسان، وتغليب قوة الدولة على حاجات الأفراد الأساسية، انهار الحكم كلية، وظهرت القومية العرقية لدى الشعوب المغلوبة أو الإحياء الإسلامي في أواسط آسيا التي تمدد فوقها الاتحاد السوفييتي، وكما هو الحال أيضاً في أوروبا الشرقية التي كانت تعتبر في الأطراف، العرق عند الصرب والكروات والإحياء الإسلامي في البوسنة والهرسك وباقي دول أوروبا الشرقية عامة وفي البلقان خاصة. وفي اليابان وكوريا، من أجل النهضة الاقتصادية تم إحياء التقاليد الدينية والشعبية تأكيداً للهوية واعتزازاً بخصوصية التجربة، التمسك بالذات والانفتاح على الآخر، فظهر الإحياء الديني الشعبي للشخصية الآسيوية في الفن والأدب وأساليب الحياة وأنماط السلوك. وفي فيتنام والهند الصينية وتايلاند والهند ظهر الإحياء الديني في البوذية والهندوكية من أجل الدفاع عن الاستقلال الوطني ضد الاستعمار الغربي وضد القهر الداخلي، مرة كفاحاً مسلحاً في فيتنام، ومرة مقاومة سلمية في تايلاند والهند، باستثناء بعض ولايات الهند التي يرتبط فيها الإحياء الديني بالعرق نظراً لتعدد القوميات والأجناس واللغات. وفي العالم العربي الإسلامي اعتبر البعض "الصحوة الإسلامية" ظاهرة تاريخية، تتبع قانوناً للتاريخ. فهي بهذا المعنى تمثل المرحلة الثالثة في تطور الحضارة الإسلامية. فقد كانت المرحلة الأولى في عصر بناء الحضارة الإسلامية وبلوغها الذروة في القرن الرابع الهجري، العصر الذهبي للحضارة الإسلامية ثم انتهائها في القرن السابع بعد هجوم الغزالي على العلوم العقلية في القرن الخامس وإعطائه أيديولوجية القوة. ولم تنفع بارقة ابن رشد في القرن السادس في مد المسار الحضاري. وجاء ابن خلدون في القرن الثامن ليؤرخ لمسار الحضارة الإسلامية في هذه الفترة واضعاً قانون التطور والانهيار وأسبابهما، من العصبية إلى الترف، ومن البادية إلى الحضر. ثم جاءت الفترة الثانية ابتداء من القرن الثامن حتى القرن الرابع عشر، فترة الغزوات من الشرق والغرب، وفترة الحكم التركي المملوكي، عصر الشروح والملخصات. وفي نهاية هذه الفترة ومنذ مائتي عام فقط ظهرت حركات الإصلاح الديني في مصر والعالم العربي والإسلامي من أجل إنهاء عصر الركود والاستعمار والتخلف وبداية عصر جديد. وبعد انتصار حركات التحرر الوطني وإنشاء الدول الحديثة، بدأ الإحياء الديني من جديد يعود إلى المواجهة بعد أن تم استبعاده. وخرج وكأنه يعلن نهاية عصر، السبعمائة سنة الثانية، وبداية عصر جديد، مرحلة جديدة للحضارة الإسلامية منذ القرن الخامس عشر الهجري حتى القرن الحادي والعشرين الهجري. فتسود روح التفاؤل. وفي الوقت نفسه تُعاد إلى الإصلاح الديني حميته الأولى بعد أن فقدها منذ هزيمة الثورة العرابية في 1882 التي أدت إلى احتلال مصر، وكانت قد اندلعت بسبب تعاليم الأفغاني: الإسلام في مواجهة الاستعمار في الخارج والقهر في الداخل. وقد أدى ذلك إلى تراجع حماس الإصلاح إلى النصف عند محمد عبده، مؤثراً التغير الاجتماعي البطيء على الثورة السياسية العارمة. وسار على أثره رشيد رضا في تيار الإصلاح ضد السلفيين العثمانيين وضد العلمانيين الأتراك حتى تم النصر للثورة الكمالية في تركيا في 1924، فعاد رشيد رضا سلفيّاً حنبليّاً. فلما قامت الثورة المصرية في 1952، ظن الناس أن المد الثوري قد انتصر مع "الضباط الأحرار". وسرعان ما دب الشقاق بين أخوة الأمس في 1954، صراعاً على السلطة، وبين الثورة و"الإخوان". ودخل "الإخوان" السجن، وخرجوا في السبعينيات لتصفية الحساب مع الثورة الأولى، ثم مع ثورة التصحيح التي شجعتها حركتهم ودعمتها أولا، وكان الحال كذلك تجاذباً وصراعاً في دول المغرب العربي وسوريا والعراق والأردن. فالإحياء الديني محاولة للحاق بجذور الإصلاح الأول من أجل إعطائه دفعة جديدة من جيل جديد.