أين توجد السلطة في الديمقراطيات الغربية؟ بالتأكيد إنها لا توجد مع الناخبين الذين لم يعودوا يعتقدون أنه قد بقي لديهم أي نفوذ على حكوماتهم، وهو ما جعلهم على نحو متزايد يفقدون الاهتمام بالمشاركة في الانتخابات، واختيار ممثليهم، والدفع بمن يتولى المناصب المختلفة. والشيء الذي قد لا يدركه هؤلاء الناخبون هو أن السياسيين ذاتهم، قد بدأوا يفقدون سلطاتهم شيئاً فشيئاً، في الوقت الذي تم فيه، وعلى نحو منهجي، تفريغ مؤسسات الدولة الكبرى مثل البرلمان والأحزاب وأجهزة الخدمة المدنية من محتواها. والنتيجة التي ترتبت على ذلك هي أن العثور على الشخصيات التي يمكن أن يوجه لها اللوم، أو يتم تحميلها المسؤولية عن الكوارث السياسية والاقتصادية التي تحدث في الدول المختلفة، قد بات أمراً يزداد صعوبة على الدوام في عصر العولمة، والإعلام الجديد، والنفوذ المتعاظم لعدد كبير من المراكز الفكرية غير الخاضعة لأية محاسبة، والمستشارين الحزبيين الذين يطلق عليهم "سحرة العصر الحديث" لأنهم قادرون على الإتيان بالمعجزات وتبرير كل السياسات مهما كانت خاطئة. هذا ما يقوله "دونالد سافوا" الزميل في كلية "آلسولز" بجامعة أكسفورد، وأستاذ الإدارة العامة في جامعة "مونكتون" الكندية -والمتخصص في أبحاث الديمقراطيات في الدول الأنجلوساكسونية- في كتابه الذي نعرضه في هذه المساحة، وعنوانه: "السلطة: أين هي؟". ويقول الكاتب ابتداءً، "إن مؤسساتنا الديمقراطية: قد انفصلت عن جذورها" وإن الأحزاب السياسية لم تعد تنتخب من أجل صنع السياسات العامة، إذ إن حفنة من الرجال الملتفين حول زعماء الأحزاب هي التي تقوم بصياغة السياسات، من أجل هدف واحد هو أن يتم انتخابهم، في الوقت الذي تحول فيه قادة الأحزاب إلى الاهتمام بأشياء أخرى بعيدة عن مهامهم الأساسية. ويزيد المؤلف الأمر وضوحاً فيقول إن الديمقراطيات يتم استبدالها على نحو بطيء باستطلاعات الرأي، وجماعات الضغط، وجماعات المصالح، والأشخاص النافذين الباحثين عن تعزيز مصالحهم الاقتصادية وسلطتهم الذاتية، في الوقت الذي يتم فيه تهميش باقي الناس الذين يجدون أنفسهم واقفين على الخط يتفرجون على لعبة يطلق عليها مسمى "السياسة"، وتدور ليس في ملاعب حقيقية مثل البرلمانات ومقار الحكم وإنما على شاشات التلفزيون، حيث يقول فيها السياسيون ما يشاءون، ويتصرفون على هواهم، ولا يحد من سلطاتهم أحد سوى القضاة المستقلين، والصحفيين الشرفاء. ويضيف المؤلف: "إن الموظفين العموميين الذين كانوا ذات يوم يرون أن من واجبهم بحكم وظائفهم تحدي الحكومات، أصبحوا يدركون الآن أنه ليس هناك أمامهم من طريق سوى الانصياع لتلك الحكومات أو المغامرة بدلا من ذلك بالحرمان من رعايتها بل والتعرض لبطشها إذا ما فكروا في اختيار طريق آخر... وفي نفس الوقت الذي يجدون فيه أنفسهم مقيدين في تصرفاتهم بالأجهزة الرقابية غير المتفقة ومتداخلة المهام في الكثير من الحالات، كما يجدون أنفسهم أيضاً مقيدين بالطلبات العديدة من جهات مختلفة بضرورة التزام الشفافية في أعمالهم حتى لو تعارضت تلك الشفافية مع دواعي السرية التي تتطلبها طبيعة مهماتهم". ويستعير المؤلف عبارة من مستشار ألمانيا الشهير في القرن التاسع عشر "بسمارك" الخبير في فنون الحكم والسلطة يقول فيها "لكي تحافظ على احترامك للنقانق والقوانين عليك ألا تشاهدهما أثناء الصنع"! ويورد المؤلف عبارة لأحد المسؤولين الكبار في وزارة المالية الكندية، يتحسر فيها على واقع حرية المعلومات يقول فيها "إنني ارتعد عندما أكتب رسالة بالبريد الإلكتروني لأنني لا أعرف ما إذا كانت هذه الرسالة ستقرأ بواسطة الشخص الذي أرسلتها إليه وينتهي الأمر عند هذا الحد، أم أنها ستظهر بعد فترة من الوقت في الصفحات الأولى للصحف... فللأسف الشديد لم تعد لدينا رفاهية الانخراط في حوار صريح ونزيه، دون أن نسمع من يقول لنا: احذر ياسيادة الوزير فإن ما تقوله أو ما تنوي عمله يمكن أن يزج بك في مشكلات قد لا تستطيع الخروج منها سالماً". ولاشك أن الموظفين الرسميين في وزارة العدل في لندن الواقعة في حي "وايت هول" سوف يؤمنون على هذا الكلام -كما يقول المؤلف. فمنذ فترة، وجد هؤلاء المسؤولون أن مقترحات الميزانية التي كانوا قد تقدموا بها قد تسربت بطريقة مجهولة للصحافة، وبكافة تفاصيلها حتى تلك الملاحظات التي كتبها أحد هؤلاء المسؤولين يطلب فيها ضرورة الحفاظ على سرية المقترحات المقدمة حتى لا يؤدي انكشافها إلى التأثير على فرصتهم في الحصول على الاعتمادات المالية التي يطلبونها في البرلمان. ويقول "سافوا" إننا إذا ما أردنا أن نعرف أين تكمن السلطة في الحقيقة فإن الإجابة التي توصل إليها من خلال دراساته وأبحاثه هي أن السلطة الآن موجودة في أيدي مجموعة صغيرة من الأفراد من ضمنهم قادة الأعمال الذين أصبحوا نجوماً للقطاع الخاص. أما القادة السياسيون الحقيقيون فقد باتوا مكبلين بالأغلال التي فرضتها عليهم العولمة.. في نفس الوقت الذي تجعل فيه الصعوبات التي تكتنف تحديد موضع السلطة الحقيقية، من الميسور على من يملكون السلطة بالفعل أن يتنصلوا من المسؤولية عن أي شيء. وينهي المؤلف كتابه بالقول إن المسألة باختصار شديد هي أن مجموعة قليلة من الأفراد في الديمقراطيات المختلفة هي التي تحركت لملء الفراغ الذي تركه أفول المؤسسات الديمقراطية، وأصبحت تسيطر على كل شيء في الوقت الذي تم فيه تهميش المجتمعات التي لم يعد أمامها سوى أن تقف موقف المشاهد مما يجري. سعيد كامل الكتاب: السلطة: أين هي؟ المؤلف: دونالد سافوا الناشر: كوينز يونيفرستي برس تاريخ النشر: 2010