النجاح في الحياة، يتطلب الوصول إلى نقطة الهدف المراد الوصول إليها في الوقت المناسب، ومعرفة ما الذي يجب عمله بمجرد الوصول إلى تلك النقطة. وأوباما، شأنه في ذلك شأن كافة رؤسائنا الكبار على مدى التاريخ، أدرك ذلك، ولكن لم يدركه بشكل كامل وإنما نصف إدراك فقط. فهو، وإنْ كان قد وصل في الوقت المناسب مثل هؤلاء الرؤساء، إلا أنه يختلف عنهم في أنه أساء قراءة لحظته التاريخية ولحظة أميركا في ذات الوقت. وهذه القدرة الحدسية (أو الافتقار إليها) على قراءة المزاج العام للأمة، وقراءة الظروف المحيطة بها بدقة تعتبر مكونا مهماً من مكونات القيادة الكفؤة. وفي حالة أوباما على وجه التحديد، فإن شخصيته، وما كان يريد تحقيقه، ربما يكونا قد حالا بينه وبين أن يرى بوضوح ما الذي يريده معظم الأميركيين، وما الذي يحتاجون إليه. ولأننا نركز على الشخصية، وعلى الصفات الفردية (سواء كان ذلك شيئاً جيداً في حد ذاته أم لا) لرؤسائنا، فإننا نميل عادة لتجاهل أهمية الظروف، والدور الذي يلعبه الحظ الأعمى، في رفع مستوى أداء الرؤساء، أو تقييده. لتوضيح ذلك دعنا نراجع أداء كل رئيس من الرؤساء الذين لا خلاف على عظمتهم على مدى ثلاثة قرون. وهم جورج واشنطن، وابراهام لنكولن، وفرانكلين روزفلت. فكل زعيم من هؤلاء الزعماء، كان بمقدوره أن يدعي أنه عظيم، لأنه في حقيقة الأمر، كانت لديه الفرصة لأن يكون كذلك، وهذه الفرصة كانت مستمدة من الظروف التي لا سيطرة لهم عليها. ولمزيد من التبسيط نقول، إن واشنطن قد تواجد في ذلك الزمن الذي وجد فيه، لأن أميركا كانت في حاجة إليه... ولينكولن كان هناك في لحظته المناسبة، لأن أميركا كانت في حاجة لمن ينقذها في تلك اللحظة التي تواجد فيها.. كما أن "روزفلت" كان هناك في لحظته المناسبة، لأن أميركا كانت بحاجة في تلك اللحظة تحديداً لمن يأخذ بيدها، ويعبر بها إلى الأمان خلال سنوات الركود الكبير، والحرب العالمية الثانية. وهناك رؤساء أميركيون آخرون شاء حظهم الحسن، أن يأتوا بعد أسلاف ضعفاء (أندرو جاكسون عندما جاء بعد جون كوينسي آدمز على سبيل المثال)، أوأن يصلوا في لحظة كانت البلاد جاهزة فيه لإنجاز تغيير حقيقي (لندون جونسون عندما جاء بعد جون كيندي المغتال)، أو أن يظهروا في زمن ملائم أي في زمن مثل الزمن الذي وصفه "ستيفن سكاورونيك بـ(الزمن السياسي)، وهو ذلك الزمن الذي يكون فيه حزب من الحزبين الرئيسيين في أميركا في حالة ضعف، والآخر في حالة قوة (رونالد ريجان عندما جاء بعد جيمي كارتر). المعنى من ذلك كله أن اللحظة، والظرف، والموسم هي ما يخلق الرجل العظيم. ولكن يجب أن نلاحظ أيضاً أن هذا النوع من الحظ يخلق إمكانية التغيير وليس بالضرورة حتميته أو يقينيته. لهذا السبب، تكون الأمم عادة في حاجة إلى نوع من التزاوج بين الرئيس البارع وبين اللحظة الملائمة. وعلى رأس الصفات التي يتعين على مثل هذا الرئيس أن يمتلكها، القدرة التامة على إدراك أين تقف الأمة بالضبط، وإلى أين يمكن أن تمضي، وهو ما حدث في حالة "جورج واشنطون" و" لنكولن" و"روزفلت". فمثله مثل الرؤساء الكبار في التاريخ الأميركي، كان أوباما رجلاً مكلفا بمهمة في عام 2008، ولكن مشكلته كانت أنه قد سمح لأجندته بأن تخفي قدرته على رؤية أين كان معظم الأميركيين يقفون، وماذا كانوا يريدون. وهذه المشكلة كانت ترجع لعدة أسباب يمكن تبيانها على النحو التالي: الأول، إنه كان مقتنعا تمام الاقتناع بأن الأميركيين قد تلقوا خدمة سيئة من قبل الرئيس السابق بوش، وأن معظمهم كان يدرك مدى الحاجة إلى أجراء تغيير كاسح وكانوا على استعداد لدعمه. الثاني، أنه قد أساء قراءة أزمته، وهي الركود. فهذه الأزمة على الرغم من شدتهاـ ولا خلاف على ذلك ـ إلا أنها لم تكن من النوع المعرقل للأمة بأسرها إلى تلك الدرجة التي تدفع بها النظام السياسي دفعا، سواء بدافع الخوف أو بدافع اليأس، لأن يصبح أكثر مطاوعة وامتثالاً. وإذا ما اقترن هذا بوجود حزب "جمهوري"، على استعداد ليقول لا لأي شيء تقريباً، فإن كل ذلك لا بد أن يثبت أن التغيير الانتقالي أمر صعب للغاية، بل وأصعب بكثير مما تصور أوباما الذي رفع هذا التغيير شعارًا له. علاوة على ذلك، لم يكن أوباما بارعاً مثل روزفلت، ولا مغموساً حتى النخاع في التجربة الأميركية مثله، كما لم يكن -ودعنا نكون صرحاء حول هذه النقطة - مقبولاً مثله، ولذلك كله لم يقم بنفس الدور الذي قام به روزفلت، كمصدر تستمد منه الأمة الطمأنينة والثقة بالنفس. الثالث والأخير، أن أوباما، وعلى النقيض من أسلافه الكبار، لم يستطع العثور على رسالة موحِدة مستمدة من واقع التجربة الأميركية، ويتشارك الجميع فيها. وفي الحقيقة أن جزءاً من مشكلة أوباما تكمن في فراداته: أي في أسلوبه الأكاديمي، المتباعد، والمتراوح ما بين البارد وشبه البارد، كما يكمن أيضاً في التحيز العنصري ضده، وجذوره الأجنبية التي ساهمت جميعا في جعله يبدو مختلفا عن أي رئيس سبق للأميركيين أن عرفوه. لذلك كله لم يكن من الغريب أن مؤسسة جالوب للإحصاء صنفت أوباما على أنه الرئيس الأميركي الأكثر استقطابا خلال السنة الأولى من الحكم منذ أن بدأت المؤسسة عملها. فالليبراليون غير سعداء بسياساته، والمستقلون يحاولون الابتعاد عنه، والجمهوريون يشعرون بالبهجة والتشفي لما يعانيه من صعاب، وحركات مثل "حفلات الشاي" تكسب أرضاً باستمرار، وكل ذلك يجعله "كبير المستقطبين" بامتياز. ويكفي أن نعرف أن 13 في المئة فقط من الأميركيين هم الذين يرون أنهم قد استفادوا من سياساته الاقتصادية، وهي أكثر الأرقام إثارة للاكتئاب ـ اكتئاب أوباما واكتئاب أميركا على السواء. على ماذا يدلنا ذلك: يدلنا على أن الأميركيين لا يتطلعون إلى رؤساء عظام، ولا لأفكار كبيرة، ولا لتحولات تاريخية. وإنما يبحثون عن الرضا بشأن الأمور العادية واليومية، مثل الرخاء، والحفاظ على الأميركيين أمنين من الهجمات الإرهابية ووضع نهاية لتلك الحزبية، وذلك التبادل للشتائم، وسياسة المشاهير السائدة في واشنطن اليوم. ربما لم تصل هذه الرسالة للرئيس في هذه المرة، ولكنه ربما يكون محظوظا وتصل إليه في المرة القادمة. آرون ديفيد ميلر زميل السياسة العامة بمركز وودرو ويلسون الدولي ينشر بترتيب خاص مع خدمة" إم.سي.تي إنترناشيونال"