من الأخبار السارة أن أعمال تنظيف البقعة النفطية التي أحدثتها شركة "بي بي" تمضي بشكل جيد، وأن المشروع الذي تسبب في الكارثة البيئية الاقتصادية هذه أصبح على بعد أسابيع فحسب من إغلاقه تماماً. ولكن الأخبار السيئة هي ترجيح عودة كثير من الأميركيين الذين أيقظت هذه الكارثة حذرهم لبعض الوقت، إلى إدمانهم لاستهلاك النفط والوقود الأحفوري. ولا ينفي ذلك اتجاه بعض الأميركيين لأنماط حياتهم تماماً، وتعلم الدروس التي تعينهم على تقليل اعتماد حياتهم اليومية على النفط. وللعلم فإني واحدة من هؤلاء. فعندما وصلت كارثة التسرب النفطي إلى ذروتها في شهر مايو المنصرم، كنت قد قررت أن تسير حياتي ليوم واحد دون أي استهلاك نفطي. ومنذ أن بدأت تلك المحاولة، مضت الآن عليها 90 يوماً لم تخل جميعها من استهلاك النفط، غير أني تعلمت منها الكثير، ما جعل تلك التجربة تحريرية بالنسبة لي. وحين بدأ التسرب في شهر أبريل، كان أملنا نحن سكان المنطقة المتأثرة أن تنتهي الكارثة بأسرع وقت ممكن، دون أن ننتبه إلى خطورتها. ولم يكن في مقدوري الذهاب إلى موقع البئر وإيقاف التسرب بنفسي. ولكن هل يعني ذلك أن نقف مكتوفي الأيدي في مواجهة كارثة كبرى تهدد حياتنا اليومية؟ وبعد أن مضت الأيام لتصبح أسابيع متصلة من استمرار التسرب النفطي، أدركنا حينها حقيقة بعد نهاية الكارثة. وعندها تحرك شيء ما في داخلي، وحفزني على إثارة السؤال الملح: لماذا لم أجرب أبداً العيش والاعتماد على قيمي الخاصة؟ فقد كان من قناعتي العميقة سابقاًَ –وهي القناعة التي ظللت أدعو لها الآخرين وأبشر بها بينهم- أن أحافظ على استدامة الحياة، وأن أحترم الأرض وما عليها من موارد طبيعية لا غنى لحياتنا عنها. غير أن الكارثة التي شهدها خليج المكسيك مؤخراً كشفت لي حقيقة أن حياتي الشخصية لم تعكس تلك القيم والمثل مطلقاً. وكما سبق القول، فما أسهل أن يتخذ المرء القرارات، ولكن ما أصعب تنفيذها. فقد قررت في بادئ الأمر أن أدون قائمة شاملة لكافة المنتجات والمصنوعات القائمة على النفط. ولكن سرعان ما بدأت أتجاهل تلك القائمة وأتناساها. وعلى رغم ذلك، فرضت عليّ تلك القائمة نفسها في نهاية الأمر، فطالت وامتدت لتشمل معظم المنتجات النفطية ومستخرجات النفط. وفي كل مرة تطول فيها القائمة، كان خوفي يزداد لأن طول القائمة يعني أن أتخلى في حياتي اليومية عن كل ما له علاقة بالنفط ومستخرجاته. ذلك أنه يعني أن أتخلى عن جهاز الكمبيوتر الذي أستخدمه، وعن سيارتي التي أعتمد عليها اعتماداً تاماً في زيارة عائلتي في ولاية لويزيانا. ثم ماذا سأفعل بكل تلك الرحلات الدولية الخارجية التي لطالما حلمت بالقيام بها؟ فلا سبيل للسفر إلى أي مكان دون استقلال الطائرات والقطارات والسيارات والسفن. والحقيقة هي ألا علاقة لمشروعي هذا بمقاطعة السلع والمنتجات المادية، أو وسائل الراحة والرفاهية. ولا بد من الاعتراف بأن التخلي التام عن النفط ومنتجاته يعني تدمير الحياة وهدم العلاقات الاجتماعية الأسرية والتمتع بمشاهدة العالم الخارجي. وعليه فقد كان من واجبي أن أعدل موقفي الأول –الذي زعم إمكانية المقاطعة التامة للمنتجات النفطية- إلى موقف آخر يقوم على الاختيار بين نمط استدامة الحياة، وكل ما يجعل الحياة جديرة بأن نحياها. ولم يعد في استطاعتي الصبر ولا القبول بذلك التناقض الحاد بين آمالي وعلاقتي بالعالم كله، والقيم والمبادئ التي طالما آمنت بها وبشرت بها بين الآخرين. ولكن لم أكن قادرة على فعل شيء، ما يعني الاستسلام لخيار اليأس وحده. وكان ذلك ما حدث لي بالفعل لبضعة أيام. وبفضل الدعم الذي لقيته من زوجي وأصدقائي وأفراد عائلتي، تمكنت من التغلب على مصيدة اليأس والتحرر منها تدريجياً، بمثابرتي اليومية على خفض بصمتي النفطية. ومهما صغرت مساهمتي في تحقيق هذا الهدف، فقد كان لها معناها ودورها في شحذ همة الأميركيين وعزمهم على الحد من إدمان استهلاك النفط، وبالتالي رفع مساهمتهم الفردية والجماعية في وضع حد لأنشطة الحفريات النفطية العميقة، بكل ما تنطوي عليه من خطر بالغ على حياتنا الساحلية وعلى الموارد الطبيعية التي نعتمد عليها. وإن كان الهدف الذي حددته لنفسي هو ابتكار نمط جديد للحياة الشخصية، يسعى للتحرر بنسبة 100 في المئة من استهلاك النفط، لكان الفشل نصيبي بلا منازع، طالما أن هناك أساسيات ومتطلبات للحياة لن تتوفر إلا بقبول مكونات النفط فيها. ولكن الذي نجحت فيه كوني أكثر تحرراً، بمعنى أني أصبحت أكثر قدرة على مراقبة نمط حياتي بغية اختيار البدائل الأفضل والأكثر استدامة. وبفعل التغيير الذي حدث في سلوكنا اليومي، فقد اعتدت أنا وزوجي على مناقشة الخيارات المتاحة لنا يومياً فيما يتعلق بأشكال الطاقة، فضلاً عن اتخاذنا قراراً بإدخال تحسينات على البيت تقوم على اعتبارات رفع معدل كفاءة استهلاكنا اليومي للطاقة. وختاماً، فإن ما تحقق من الالتزام بما قطعته على نفسي من وعود تحويل نمط حياتي كلها نحو الاستدامة وتقليل الاعتماد على النفط ومنتجاته ومشتقاته الصناعية المختلفة، لا يعني بأي حال أنني أصبحت قاب قوسين أو أدنى من أن أصف نفسي بأني مواطنة أميركية متحررة من استهلاك النفط بنسبة 100 في المئة. بيد أن من المريح للمرء أن يشعر بنزاهته تجاه نفسه والآخرين. فأنا لم أعد أعيش ذات التناقض السابق بين القناعات الذاتية وتطبيقها العملي في حياتي اليومية. ------- ماري ريشرت محللة سياسية أميركية