عندما كانت سفيرة لواشنطن لدى الأمم المتحدة، جادلت "جين كيركباتريك" كثيراً بأن الولايات المتحدة، يجب أن تعمل على مصادقة الأنظمة السلطوية، إذا ما كانت هذه الأنظمة تدعم سياسات واشنطن. ونظراً لأن أميركا كانت في ذروة الحرب الباردة آنذاك، فإن نصيحتها كانت غالباً ما تُتبع. واليوم تُثار حجة مماثلة، تدعو أميركا إلى تطبيق سياسة كتلك التي كانت "كيركباتريك" تدعو إليها، إذا ما كانت تريد كسب الحرب على الإرهاب. ففي مقالة نشرت مؤخراً في دورية"فورين أفيرز" أكد وزير الدفاع روبرت جيتس، أن هجوماً إرهابيا يأتي من دولة فاشلة، هو أخطر ما يمكن أن يواجه أميركا من تحديات أمنية واقترح من أجل مواجهة ذلك التهديد، أن تسعى الولايات المتحدة إلى تقوية جيوش الدول المعرضة لخطر السقوط، للحيلولة دون استخدام أراضي تلك الدول لشن هجوم على الولايات المتحدة. بالطبع لا يمكن تحقيق ذلك، إلا إذا ما قامت الولايات المتحدة مجدداً باحتضان الأنظمة القمعية حتى لو أدى ذلك إلى وجود انطباع لدى باقي العالم بأنها دولة لا تتردد عن التخلي في اللحظة التي تستشعر فيها خطرا يهدد أمنها عن بعض القيم. وهذا الانطباع لن يؤدي إلى تشويه صورة أميركا في الخارج فحسب، ولكنه سيؤدي كذلك، إلى زيادة قدرة الجماعات الإرهابية على تجنيد المزيد من المقاتلين، أو الحصول على المزيد من الدعم، علاوة على أن التدخل الأميركي لدعم تلك الأنظمة سوف يؤدي لإضعافها لأنه سيظهرها بمظهر الأنظمة العميلة مما يؤدي إلى توحيد وتحفيز أعدائها ضدها. من المعروف أن "فريدوم هاوس"، تنشر تقريراً سنويا تصنف فيه دول العالم إلى ثلاثة أقسام : دول حرة، ودول حرة جزئياً، ودول غير حرة. في آخر تقرير لفريدوم هاوس تم تصنيف 47 دولة (ما يعادل 24 في المئة من مجموع الدول) على أنها ليست حرة، و58 دولة (ما يعادل 30 في المئة) على أنها حرة جزئيًا. و89 دولة(ما يعادل 46 في المئة) على أنها دول حرة. وفي مؤشر الدول الفاشلة الذي يضم 60 دولة نجد أن نصف عدد تلك الدول مصنفة على أنها غير حرة، والنصف الآخر حر جزئيا. معنى ذلك أنه لا يوجد في العالم كله دولة واحدة ديمقراطية وغير مستقرة في ذات الوقت. وعليه فإن مساعدة الأنظمة المتداعية على الدفاع عن نفسها، لأنها ـ كما يفترض ـ تواجه مشكلة إرهابية قد تتحول فيما بعد لتهديد للولايات المتحدة، سوف يعني في غالبية الأحيان، مساعدة الأنظمة القمعية على الدفاع عن نفسها ضد شعوبها. فمفتاح الاستقرار يكمن في الديمقراطية القوية، وليس في الجيش القوي. ولسوء الحظ، فإن واشنطن ترفض دعم هذا المفهوم. وبفضل فعالية جماعات الضغط، والمراكز الفكرية التي تروج للمجمع الصناعي ـ العسكري، فإن الكونجرس يبدو مستعدا دائماً لإنفاق الأموال بلا حساب على برامج الأسلحة حتى غير المطلوبة وغير المفيدة عمليا. وفي نفس الوقت يبدو الساسة دائماً مستعدين لخفض برامج مخصصة للترويج للديمقراطية في الخارج. فعلى سبيل المثال، نجد أن لجان الكونجرس، تواصل في الوقت الراهن الضغط من أجل الموافقة على مشروع لتصنيع محرك ثانٍ للطائرة إف ـ35 متعددة المهام، ولتصنيع ليزر محمول جواً لا يحتاج إليه البنتاجون بشكل ماس. يحدث هذا في نفس الوقت الذي نجد فيه أن أعضاء الكونجرس يفكرون في إجراء خفض قيمته 4 مليارات دولار في ميزانية المساعدات الأجنبية، وهي خطوة يعارضها وزير الدفاع الأميركي، رئيس هيئة الأركان المشتركة، على أساس أن التقتير على وزارة الخارجية وعلى هيئة المعونة الأجنبية (USAID) سوف يزيد من خطر الصراعات المستقبلية. سوف يكون من الصعب دائما تجنب مثل هذه الصراعات، لأن أي دولة تخشى نشر الديمقراطية سوف تتحجج بأن الإرهابيين يهددونها. ومثل هذه الحجج، في رأيي، سوف تجعل من مسألة تحديد الذين يستحقون صداقة أميركا، أكثر صعوبة من تحديد أعدائها. يتعين أن أشير هنا إلى أن أفغانستان- التي انطلقت منها هجمات "القاعدة" ضد الولايات المتحدة- لم تكن دولة فاشلة بمعنى من المعاني. فـ"طالبان"، التي كانت في الحكم في ذلك الوقت كانت تسيطر على البلاد بقبضة من حديد (باستثناء جزء صغير في الشمال)، ولم تكن المشكلة أنهم قد فشلوا في السيطرة على البلاد، ولكن في أنهم تعاونوا بفعالية مع القاعدة، وهو تعاون لم يكن ليحدث، لو أن الديمقراطيات كانت قد أخذت فرصة للتطبيق في هذا البلد. من الصحيح أن تعزيز المؤسسات الديمقراطية مهمة أصعب بكثير من إضافة المزيد من القدرات للقوات المسلحة لدولة أجنبية... ولكن من الصحيح أيضاً أن قياس نتائج عملية بناء قدرة دولة ما على حكم نفسها أصعب من ذلك. وهذا هو السبب في أن الضغط من أجل زيادة القوة العسكرية سوف يستمر، بل ويصبح أكثر شدة، حتى وإن كان سيؤدي إلى زيادة، لا إلى تقليص، التهديدات للأمن الأميركي. هيستيريا ما بعد الحادي عشر من سبتمبر لا تزال باقية بين السياسيين والخبراء، الذين يطالبون الحكومة الأميركية "بأن تعمل على الحفاظ على أميركا آمنة من أي تهديدات إرهابية، سواء كانت حقيقية أم متخيلة. وهذا في حد ذاته يمثل دعوة لمغامرات خارجية لا نهاية لها، حتى في الحالات التي يكون فيها الخيار الأفضل هو ألا نفعل شيئا على الإطلاق. دينيس جيت سفير أميركي سابق وأستاذ بكلية الشؤون الدولية في جامعة بنسلفانيا ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"