أعلنت إسرائيل مؤخراً عن استعدادها للتعاون مع تحقيق تقوم به الأمم المتحدة في الغارة على "أسطول الحرية" التي قتل فيها ثمانية أتراك ومواطن أميركي من أصل تركي. إلا أن إصرار أنقرة على أن تعترف إسرائيل بدورها كمحرّضة ومقترفة لما جرى، مقابل موقف نتنياهو تجاه حادثة الأسطول، المصر على أن إسرائيل اضطرت لأن تتصرف، قد أدّيا إلى اضطراب العلاقات بين الطرفين اللذين يعدان تقليديّاً من حلفاء الولايات المتحدة الرئيسيين في الشرق الأوسط. وقبل ذلك انزعج الأتراك كثيراً من عمليات إسرائيل في غزة ولبنان في السنوات الأخيرة، التي عطّلت جهود أنقرة الهادفة لتشجيع السلام في المنطقة. وتضمّ هذه الجهود إعادة تنشيط مشروع منطقة "إريز" الصناعية في إسرائيل، وهو مشروع كان سيوفر مئات فرص العمل للغزيين. وكذلك جهود الدبلوماسيين الأتراك لتشجيع الحوار بين المسؤولين السوريين والإسرائيليين. ويخاف الإسرائيليون وبعض الجماعات في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بدورهم من أن تكون حكومة أردوغان قد احتضنت شرقاً أوسط محافظاً، بسبب تنامي علاقاتها واتصالاتها مع الحكومتين الإيرانية والسورية. وقد تسبب ذلك، إضافة إلى الجذور الإسلامية السياسية لـ"حزب العدالة والتنمية" التركي الحاكم، في أن يشك الأعضاء اليمينيون في الحكومة الإسرائيلية بأن تكون حوافز تركيا في توفير المعونة للغزيين سياسية أكثر منها إنسانية، الأمر الذي يعمّق الصدع لسوء الحظ. ولا شك أن هنالك حاجة لاتخاذ بعض الخطوات، عند هذه النقطة من العلاقات الإسرائيلية- التركية، للمساعدة على إعادة أجواء التفاعل بين الدولتين، ولتحسين المناخ السياسي في الشرق الأوسط بصفة عامة. وفي نظري أن الخطوة الأولى في إعادة ترسيخ الروابط الإيجابية ينبغي أن تتمثل في اعتذار الحكومة الإسرائيلية أولاً لتركيا عن حادثة "أسطول الحرية". إذ لا يمكن تجاهل المشاعر الوطنية التركية في أعقاب الحادثة، ولن ينسى الأتراك في فترة قريبة مقتل مواطنيهم والهجوم على سفينة ترفع العلم التركي. ومن المستبعد أن تقوم تركيا بإعادة سفيرها إلى إسرائيل دون ذلك الاعتذار. وفي هذه الأثناء يجب على نتنياهو أن يأخذ في الاعتبار ليس فقط الأسباب الإنسانية لرفع الحصار عن قطاع غزة، وإنما كذلك فوائد عمل كهذا من أجل ترسيخ العلاقات الجيدة وأجواء الاستقرار في المنطقة وعلى صعيد عالمي. وسيقلل السماح بإدخال المعونة إلى غزة من العداء تجاه إسرائيل ليس فقط في الرأي العام التركي، وإنما كذلك في الدول المجاورة لتركيا ذات الغالبيات المسلمة. وعلى الجانب التركي يتعين على أردوغان وأعضاء آخرين في حكومته أن يقبلوا بلباقة هذا التحرك، وأن يعلنوا عودة العلاقات إلى طبيعتها. تاركين الطرح الناري ضد إسرائيل جانباً، بهدف التوجه لإعادة التركيز على جهود الوساطة في العملية السلمية، وتطوير مشاريع تساعد الفلسطينيين. ويتعين على كلا الطرفين الانتباه إلى الحاجة بعيدة المدى لإدامة الحوار، وهذا أمر أساسي لمستقبل المنطقة بأسرها. وما من شك في أن تركيا ما زالت تقف كوسيط يتمتع بسمعة جيدة لحل الخلافات في المنطقة. ولكن في غياب حل قضاياها الحالية مع إسرائيل فقد يتراجع دور أنقرة كوسيط في واحد من أكثر النزاعات صعوبة وإلحاحاً، على صعيد عالمي. أندريه مورينزا صحفي إسباني منسق المركز الأوروبي الآسيوي ينشر بترتيب مع خدمة "كومون جراوند"