بذل "الاصلاحيون" الأتراك جهدهم في أن يجددوا أساليب اللغة التركية، وأن يقوموا بتنقيتها من قيود ومصطلحات التعبير الموروثة. فاللغة أداة نهضوية بالغة الأهمية، ولا تجديد في أي ثقافة دون تحديثها. وفيما قوبلت محاولات إصلاح الأبجدية خلال القرن التاسع عشر بالعديد من الموانع، وُفقت محاولات تبسيط اللغة في مجال البلاغة والتعبير والإنشاء، وتمكنت من أن تنجح وتنتشر بشكل أسرع. وكانت الدعوة إلى "التركية المبسطة"، الأقل اعتماداً على العربية والفارسية، وقد ظهرت في الأوساط الأدبية في مرحلة مبكرة جداً، ولكنها لم تنجح بالشكل المأمول. بدأت المحاولة الجديدة في القرن التاسع عشر، وكان رئيس الكتاب "عاكف باشا" من أوائل روادها، ورغم ميوله سياسياً وجهله التام باللغات الأوروبية وآدابها، إلا أنه ساهم في انطلاق "ثورة أدبية"، شملت الابتعاد عن الأساليب اللغوية الفخمة والرنانة التي كانت تتحكم بالكتابات والمراسلات الرسمية، وتبني نهجاً أكثر بساطة في التعبير. غير أن هذا التبسيط لم يجعل اللغة المكتوبة والمقروءة أقرب للشعب إذ بقيت عسيرة الفهم عليه. وواصل الكثير من الرسميين وموظفي البلاط استخدام نفس التعابير القديمة الملتوية في تحرير الرسائل وإعداد البيانات. وتولى الأديب المعروف "ضياء باشا" عام 1868 حملة أدبية لغوية جديدة، معززة هذه المرة بالدعم السياسي القومي والديمقراطي. فنراه في مقال شهير بعنوان "الشعر والإنشاء"، كتبه من منفاه في لندن، يهاجم الأدب الرائج في البلاط العثماني، ويعتبره غريباً مصطنعاً، ومجرد تقليد وخليط من العربية والفارسية. وجدت دعوة "ضياء باشا" وحججه الكثير من المؤيدين، وبخاصة تنبيهه الأذهان إلى "تطوير اللغة القومية". ويضيف المؤرخ برنارد لويس في كتابه "ظهور تركيا" The Emergence of modern Turkey، أن العديد من كتب القواعد والقواميس الحديثة بدأت في الظهور ومنها قاموس طبع عام 1874 "للغة التركية"، لا "العثمانية"، كما جرت العادة. وقد حذفت من هذه القواميس بعض الكلمات العربية والفارسية المهجورة، وأضيفت إليها كلمات واصطلاحات تركية لم تكن تضمها القواميس. كما صارت الكلمات العربية والفارسية تستخدم في اللغة التركية وفق قواعدها لا قواعد اللغة العربية والفارسية. والأهم من هذا كله أن أنصار القومية التركية صاروا يؤكدون روابط التركية العثمانية بلغات المشرق التركية في مختلف البلدان الآسيوية، ويدعون إلى الاقتباس منها بدلاً من استخدام المفردات العربية والفارسية. غير أن جهود الأتراك في إصلاح النثر والبلاغة كانت أسهل في مجال التنظير عنها في ميادين التطبيق، ولم يتبن هذه الإصلاحات اللغوية عدد كبير من الكتاب. ولعبت الصحافة التركية خلال هذا القرن دوراً متميزاً في تبسيط وتعميم النثر التركي، وبخاصة بعد أن اكتشف الساسة والمفكرون وغيرهم النفوذ الهائل للصحف والمجلات وأهمية الكتابة للناس بأسلوب مبسط سلس. وهو نفوذ تضاعف بعد ثورة 1908 وهيمنة "جماعة تركيا الفتاة". وكانت هذه الجماعة تياراً قوياً من العسكريين والمثقفين ورجال الدولة المعارضين لنظام السلطان عبدالحميد الثاني الاستبدادي. وكانت في تركيبتها جماعات مختلفة، لعل أقواها "جماعة الاتحاد والترقي" التي كان يقودها أتراك قوميون يؤمنون بضرورة الإبقاء على الدولة العثمانية موحدة مستقلة. وقد تأسست الحركة عام 1889 في أوساط طلبة كلية الطب العسكري وامتدت خلاياها إلى مؤسسات أخرى. بدأت فكرة كتابة التركية بأحرف لاتينية في مرحلة مبكرة من تاريخ "الدولة الكمالية". وقد نوقشت في المؤتمر الاقتصادي في أزمير عام 1923، ولكن الاقتراح المقدم باستخدام اللاتينية في كتابة التركية هزم في التصويت يوم 2 مارس 1923. وكانت قضية تبني الأحرف اللاتينية مثارة لدى أتراك أذربيجان كذلك في الاتحاد السوفييتي، فصدر في الأول من مايو 1925 قرار من المجلس السوفييتي في تلك الجمهورية باعتماد الأحرف اللاتينية في كتابة التركية الآذرية. وفي الأعوام اللاحقة عمدت السلطات في جمهوريات آسيا الوسطى التركية إلى تبني الأبجدية اللاتينية. ولكي يصعب الاتصال بين الشعوب التركية الأصل، عمدت السلطات السوفييتية فيما بعد إلى تغيير الأحرف اللاتينية إلى الأحرف الروسية أو "السيريلية" Cyrillic، وهي، كما يقول قاموس المورد "أبجدية وضعت في القرن التاسع للميلاد، وما تزال أشكالها الحديثة تستخدم في صربيا وروسيا...إلخ". اعتمدت الجمهورية التركية الحروف اللاتينية بشكل رسمي عام 1928، وتم منع استخدام أحرف الهجاء العربية منذ بداية العام الجديد. وبعد أعوام أربعة تم تأسيس "جمعية اللغويات التركية"، وورد في مبررات تأسيسها أن مهمتها "بلورة الجمال الأصيل للغة التركية وجمالها، وللنهوض بها عالمياً إلى المكانة التي تستحقها بين لغات العالم". وقد تم التخطيط لمهام الجمعية وكأنها عملية عسكرية، فقد تم تقسيم العمل فيها، وأسست اللجان للتركيز على كافة مجالات وأفرع اللغة من مصطلحات وقواعد وقواميس! وفي سبتمبر 1932 انعقد الاجتماع الأول لمجمع اللغة التركية في "قصر دولما باغجة" بحضور الرئيس مصطفى كمال شخصياً. وإلى جانب مختلف مهام المجمع اللغوية كانت المهمة الأولى "تبسيط وتنقية اللغة التركية". وهي مهمة لم تكن جديدة في مجالها، ولكن اهتمام الدولة بنجاحها على أوسع نطاق وبأسرع وقت كان واضحاً. وبخاصة التخلص قدر المستطاع من الكلمات الأجنبية، وبخاصة العربية والفارسية، وكذلك التخلص من قواعد التعبير والبلاغة لهاتين اللغتين، والتي كانت لا تزال شديدة التأثير في اللغة التركية. وسعت اللجان المعنية في أن تنتقي من اللغات التركية الأخرى واللهجات الكلمات البديلة، بل وابتكار كلمات جديدة إن لم يتم العثور على كلمات تركية مناسبة. وبلغت الحركة أوجها عامي 1933-1934، وتزامنت مع التوجه الغربي العلماني للنظام الجديد. وقد نجحت في تخليص التركية من كلمات عربية وفارسية كثيرة، وبشكل أقل الكلمات المستقاة من أصول أوروبية. تباطأت حركة التنقية اللغوية مع حلول عام 1953، فقد بدت هذه الجهود وكأنها إفقار وتجريد للغة التركية أكثر منها تنقية وتحديث وتبسيط. وأشاعت الدولة تبريراً نظرياً لعدم مواصلة الحملة اللغوية، وكانت النظرية الجديدة "إن الكثير من الكلمات المستخدمة في لغتنا، والتي ظننا لفترة طويلة أنها من أصول أجنبية، هي في الواقع من جذور تركية تسربت منها إلى تلك اللغات. ولم تتوقف محاولات التنقية تماماً حتى بعد وفاة الرئيس أتاتورك، ففي عام 1945 مثلاً أعيدت كتابة الدستور التركي نفسه في "صياغة تركية نقية". ولكنه كان الانتصار الأخير للحركة، فقد غاب عنها الدعم الرسمي مع وفاة أتاتورك عام 1938، وتزايدت انتقادات المدرسين والكتاب والصحافيين والبحاث لها، لما تسببت فيه من مشاكل وصعوبات لهم. وحتى "البساطة اللغوية" التي تحدث عنها الإصلاحيون، حلت محلها لغة تركية مصطنعة تعج بالكلمات الجديدة والمصطلحات الغامضة التي قد لا تقل صعوبة بالنسبة للمواطن التركي عن "اللغة العثمانية"، التي سعت الحركة إلى تبسيطها! وهكذا، قرر البرلمان التركي، في ديسمبر 1952، وبأغلبية ساحقة، سحب الدستور "المنقَّى" لغوياً واعتماد صياغة 1924 الأصلية. وأدرك الأتراك فيا يبدو أن البرلمان ليس أفضل الأماكن للمساجلات اللغوية، كما أن الدستور ليس أفضل ميادين اختبار أساليب التعبير والمصطلحات. إلا أن هذه المحاولات المجهدة في تحديث اللغة التركية وعصرنتها، أتت أكلها في نهاية الأمر، وظهرت إلى الوجود لغة عصرية يفهمها العام والخاص، وتتقلص فيها فجوة التعبير بين العامية والفصحى، ويستوعب كل تركي ما يسمع ويفهم ما يقرأ. واتسعت في الوقت نفسه الفجوة لدى الأتراك المعاصرين بين لغتهم الحالية والنصوص والخطب العائدة حتى لأوائل القرن العشرين، كدستور عام 1924، أو الخطاب الشهير الذي ألقاه مصطفى كمال أتاتورك في أكتوبر 1927. وقد استفادت اللغة التركية بلا شك من ميزات الكتابة بالأحرف الجديدة والتي سهلت التعليم والقراءة، ولكن التراث التركي صار مجهولاً للأتراك الجدد الذين تعلموا لغتهم بعد التحول عن الأحرف العربية، ما لم تَعُد طباعة هذا التراث بأحرف لاتينية.