في مقال الأسبوع الماضي، تعرضت إلى بعض الانحرافات التي قد تطرأ على حياة الإنسان وتبعده عن فطرته، وتكلمنا عن الانحرافات العقدية ومنها الشرك بالله تعالى. ومن الانحرافات عن الفطرة إدمان المعاصي والفواحش. هذا الإدمان له درجات، ففي المرحلة الأولى يقع الإنسان في المعصية، وهو يعلم بحرمتها، لكن نفسه الأمارة بالسوء غلبته، لذلك تجده سريع الندم فور انتهاء الشهوة المحرمة. الدرجة الثانية هو من يقع في المعصية، وهو مستحل لها، فعندما تحدثه عن الجريمة التي يقع فيها يكابر، ويقول من قال إن هذا حرام ومثل هؤلاء يستبدلون المعاصي بمصطلحات جديدة، فبدل كلمة الربا الذي حرمه الله ويعرف كل مسلم أنه محرم يستخدم كلمة الفائدة، وهذه خدعة نفسية لاستحلال ما حرم الله. الدرجة الثالثة من المعصية هي عندما يجاهر الإنسان بمعصيته، لأنه يرفض ستر الله عليه، ويكشف نفسه أمام الناس مفتخراً بمعصيته. الدرجة الرابعة والأخطر هي عندما يدعو العاصي أصدقاءه إلى مشاركته في المعصية، فنجد بعض من أُبتلي بشرب الخمر لا يشربها وحده، بل يقيم الحفلات التي يدعو لها أصدقاءه المقربين لمثل هذه المعاصي بذلك يأخذ إثم معصيته، وإثم كل من اتبعه في هذا المشوار. السؤال هنا لماذا يستلذ الإنسان المعصية؟ هناك عوامل كثيرة تجعل الإنسان يعيش خدعة اللذة بالمعصية، ومن تلك العوامل التي تكلم عنها الناس قديماً ما يقوم به إبليس في هذا المجال، عندما يجعل الحرام ألذ من الحلال، لكن النفس البشرية لها دور، فعندما يجرب الإنسان نوعاً من المعاصي، تبدأ المسألة كتجربة لإشباع حاجة عند الإنسان، وهذه الحاجة جسدية ونفسية في نفس الوقت، فإذا جرب الإنسان هذه العملية ووجد لها لذة كررها مرة أخرى وثالثة حتى يدمنها ويصبح التخلص منها مسألة صعبة. ولكي يتخلص الإنسان من هذا الإدمان، فإنه بحاجة إلى ربط المثير بمسألة لا يحبها الإنسان بشكل عام. وأسوق لكم هذه القصة التي مررت بها، حيث دعيت من قبل طلبة الإمارات الدارسين في أميركا لمحاضرة عامة في واشنطن، وطلب مني التحدث عن التحديات التي تواجه الدارسين في الخارج، وكإنسان مررت بتجربة الدراسة في أميركا تعرضت للعديد من التحديات والفرص. وكان مما ذكرت قضية الانحرافات الأخلاقية هناك، وكي أربط الموضوع بمسألة يكرهها الإنسان بشكل عام، قلت للطلبة من منكم يحب أن يقضي حاجته في دورات المياه العمومية في الجامعة، وأنا أعلم قذارة تلك الأماكن، فقال الحضور إننا لا نرتاح إلا في بيوتنا، لأننا نعلم الأمراض المنتشرة في تلك الأماكن، فقلت لهم الأمر أخطر عندما تتعامل مع فتاة مر عليها عبر الزمن الكثير من زملائها حتى تحولت إلى ما يشبه دورة مياه عمومية، هذا الربط جعل بعض الشباب يترك ما تعود عليه، كما أخبرني بعضهم بعد سنوات من تلك المحاضرة. فلكي تتغير نفسيتنا تجاه المعصية، دعونا نربطها ليس باللذة الآنية لكن بمصائبها التالية، ورمضان فرصة لذلك.