لاحظ الرئيس أوباما الأسبوع الماضي أن القطاع الصناعي الأميركي قد تضرر وتراجع كثيراً ولمدة طويلة، كما يذكر الأميركيون. والحقيقة أنه يجب القول إن آخر مرة استثمرت فيها فئة قليلة جداً من الأميركيين استثماراً ناجحاً في القطاع الصناعي، كانت في أبريل من عام 1941. وبسبب ضعفه التاريخي، فقد تأثر هذا القطاع إلى حد كبير بموجة الركود الاقتصادي الأخيرة التي بدأت في ديسمبر 2007. ومنذ ذلك الوقت وإلى الآن، خسرت أميركا نسبة 16 في المئة من وظائفها في هذا القطاع. وفي حين شهدت وظائف القطاع نمواً طفيفاً خلال الشهور السبعة الماضية، فإن عدد الأميركيين العاملين فيه لا يزيد على 11.7 مليون عامل فحسب. ويشير هذا الرقم إلى تراجع كبير عن مجموع 17.3 مليون عامل في القطاع قبل عشر سنوات. ولا تمثل نسبة العاملين فيه الآن سوى 9 في المئة فحسب من مجموع العاملين في القطاع غير الزراعي. وفي المقابل تعمل أعداد متزايدة من الأميركيين الآن في قطاعي الترفيه والفندقة والضيافة. غير أن القطاع الصناعي يظل على درجة كبيرة من الأهمية لاقتصادنا القومي. فرغم ضعفه، ظل يحظى هذا القطاع بنصيب يزيد عن حجمه الحقيقي من رأس المال الاستثماري، وأنشطة التطوير والبحث، والتصدير. كما كان معدل النمو أكثر سرعة في القطاع الصناعي منه في قطاع الخدمات، منذ مدة طويلة. وهناك حاجة ماسة لإعادة التوازن المطلوب للاقتصاد الأميركي، بحيث يتجه أكثر نحو التصدير والاستثمار الرأسمالي، بدلاً من هيمنة استجابته لارتفاع الطلب الاستهلاكي. وفي وسع القطاع الصناعي أن يلعب دوراً رئيسياً في عملية إعادة التوازن الاقتصادي هذه. وليس ممكناً للقطاع الصناعي الأميركي أن ينتعش ويستعيد قوته، بدون الاستثمار العالمي، الداخلي والخارجي منه على حد سواء. ولطالما أسهم هذا الاستثمار في حيوية ونمو الصناعة الأميركية. ومن شأن العمليات التي تقوم بها الشركات متعددة الجنسيات -والتي تعمل من داخل أميركا وخارجها- أن تعزز قطاعنا الصناعي بطرق عديدة. ولتوضيح هذه المسألة، لنبدأ بالشركات الأميركية المتعددة الجنسيات المستثمرة في المجال الصناعي. ففي عام 2007-وهو أقرب عام تتوفر عنه بيانات مالية موثقة ومكتملة- حققت عمليات هذه الشركات نحو 173.5 مليار دولار من الاستثمارات الرأسمالية، بينما أنفقت خلال السنوات الماضية ما قيمته 175.2 مليار دولار في البحث والتطوير. وتعادل هذه الأرقام نحو 58.4 في المئة من جملة ما أنفقه القطاع الأميركي الخاص في مجال البحث والتطوير. ووظفت الشركات نفسها ما يقارب الـ7.3 مليون عامل أميركي، بمتوسط أجور سنوية تراوحت بين 78 و164 ألف دولار، وهو ما يزيد على نسبة 50 في المئة من متوسط أجور الاقتصاد الأميركي برمته. ورغم الافتراض الشائع الذي يتهم الشركات متعددة الجنسيات بأنها لا تفعل شيئاً سوى تصدير الوظائف إلى الخارج، فالحقيقة هي أن توسع نشاط هذه الشركات خارج الحدود لا يزال مكملاً فحسب لنشاطها الداخلي. وتسهم زيادة الاستثمار الخارجي وارتفاع نسبة التوظيف في الشركات الأجنبية التابعة لهذه الشركات، في رفع معدل الاستثمارات والتوظيف في الشركات الأم، الموجودة هنا داخل أميركا. وتشير بيانات "مكتب التحليلات الاقتصادية الأميركية" إلى ارتفاع عدد الوظائف في الشركات الفرعية الأجنبية بمعدل 5.3 مليون وظيفة خلال الفترة بين 1988 و2007، بينما ارتفع معدل الوظائف في الشركات الأميركية الأم خلال الفترة نفسها بنحو 4.3 مليون وظيفة. وفي عام 2009 نشرت دراسة في "الدورية الاقتصادية الأميركية" تم فيها تحليل نشاط جميع الشركات الأميركية متعددة الجنسيات خلال الفترة بين 1982 و2004، وتوصلت إلى أن كل دولار أنفقته الشركات الفرعية الأجنبية في أجور العاملين، تعادله زيادة موازية في أجور العاملين في الشركات الأم داخل الولايات المتحدة بنحو 1.11 دولار. وبالمثل تعادل كل دولار إضافي ينفق في رأس المال الاستثماري في الشركات الفرعية، زيادة بحوالي 67 سنتاً في الشركات الأم. وفي الكثير من الشركات الأميركية متعددة الجنسيات، يلاحظ أن العمليات الداخلية والخارجية تدعم وتعزز بعضها بعضاً. ولعل السبب الرئيسي الذي يفسر هذا التآزر سرعة النمو الاقتصادي خارج أميركا. وعليه توفر هذه السرعة في الدول الأخرى، فرص عائدات كبيرة للشركات الأميركية متعددة الجنسيات، وهي فرص يبدو أنها تسهم في تعزيز عمليات وأنشطة الشركات الداخلية والخارجية معاً. وكما تتضح فوائد الاستثمار العالمي، كذلك في نشاط الشركات متعددة الجنسيات التي تعمل من داخل الولايات المتحدة. ففي عام 2007، أنفقت هذه الشركات 30.6 مليار دولار في البحث والتطوير، وحققت استثمارات رأسمالية بقيمة 63.7 مليار دولار، بينما قدّرت عائدات صادراتها من البضائع خلال العام نفسه بنحو 125.7 مليار دولار. ومن ناحية التوظيف، استخدمت هذه الشركات ما يقارب المليوني عامل أميركي، بمعدل أجور سنوية قيمتها 79.869 ألف دولار. وعلى عكس ما يشاع عن هذه الشركات فيما يتعلق بحماية حقوق العاملين، فقد عرفت الشركات متعددة الجنسيات العاملة داخل أميركا باتحادات نقابية تفوق في المتوسط اتحادات القطاع الأميركي الخاص بنحو 50 في المئة. ومما يطمئن أن البعض من قياداتنا بدأ الآن السير في اتجاه تعزيز قطاعنا الصناعي. وفي ظروف موجة الركود الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة هذه، من واجب واضعي السياسات وقادة الاستثمارات والأعمال الدفع باتجاه الاستثمار داخل الولايات المتحدة وخارجها في آن. ------- روبرت إم. كيميت نائب وزير الخزانة بين 2005 و2009 ماثيو جي. سلوتر عضو سابق في المجلس الاستشاري الاقتصادي للبيت الأبيض بين 2005 و2007 -------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست"