عندما يقتبس أحد ألمع مؤرخي العلوم والفلسفة كلام "حلاق بغداد" في "ألف ليلة وليلة"، تنتظر بشوق ظهوره في أكثر الفضائيات شهرة. لماذا إذن كان برنامج "بلا حدود" الذي استضاف رشدي راشد مضجراً بلا حدود؟ هل لأن التلفزيون لا يزال "علكة العين" كما وصفه قبل نصف قرن المعماري الأميركي فرانك لويد رايت، أم السبب أوضاع العلوم العربية، حيث "عدوى الأخبار السيئة تصيب رواتَها" حسب شكسبير، أو لأن أي اجتماع، ولو في باريس، بين مصريين (مقدم البرنامج وضيفه)، ينتهي بمخاطبة "القاهرة"؟ جميع هذه الاحتمالات واردة "بلا حدود". فالفلسفة، كما يقول الشاعر الإنجليزي إليوت، "عصفور بنفسجي على أغصان زنبقة أرجوانية"! ومن لا يحلق في مؤلفات راشد كعصفور بنفسجي يفوته سحر أرجوان العصور والممالك والإمبراطوريات والحضارات التي التحمت بالنهضة العلمية العربية الإسلامية. فالخيال أهم من المعرفة في قراءة مؤلفاته التي يبلغ عددها نحو 40، وفيها يبدو تاريخ العلوم العربية كفيزياء الكم "الكوانتوم" التي يقول عنها العالم الدنماركي "نيلز بُهر": "إذا لم تصدمك بقوة فأنت لم تفهمها بعد". وعندما نفهم أبحاث راشد تصدمنا "الفوالق الزلزلية" الناجمة عن حركة الصفائح القارية التي ترتطم في المنطقة العربية، أو ما يُسمى في علم السياسة الوضع "الجيوبوليتيكي". الدولة الجديدة التي أنشأها الإسلام تدّبرت تلك الفوالق عندما احتوت معظم حضارات العالم القديم. فعندما نتحدث عن العالََم الإغريقي "الهليني" الذي تحرك فيه الإسلام "إنما نتحدث عن قوم واحد، لكن لهؤلاء القوم لغات وأديان مختلفة بشكل واسع. لقد تلقوا كتراث لهم بنياناً من المعرفة في المواضيع التقنية والمؤسسات". ويكشف راشد في قلب هذا التراث عن بنية يمكن تسميتها "نصوص غافية"، وتعاليم أولية، "من أبرزها علوم الدين، والفلك، والكيمياء، والطب". ويرصد راشد استيقاظ هذه النصوص من غفوتها في المدن الإسلامية الجديدة. "لا يمكن بحالٍ فهم الحضارة العربية الإسلامية منذ بدايتها دون الوقوف على البعد العلمي فيها. ليس هناك مدينة قديمة أو من العصر الوسيط حتى القرن السابع عشر، كان العلمُ فيها بعداً أساسياً مثل المدينة الإسلامية". ويذكر أن هذه "الميزة بقيت إلى الآن في الظل. فالاتجاه الجنيني عند علماء الإغريق لتخطي حدود منطقة ولكسر طوق ثقافة معينة وتقاليدها ولاكتساء أبعاد عالم بأسره، نراه وقد أصبح واقعاً مكتملاً في العلم العربي، الذي تطور حول منطقة البحر المتوسط، لا كرقعة جغرافية وحسب، إنما كبؤرة تواصل وتبادل لكل الحضارات في مركز العالم القديم وعلى أطرافه". وبالفلسفة ندرك تعقيد تاريخ العلوم العربية، لكن بالشعر نستطيع أن نراه. وقد أشكل عليّ هذا فوجدت نفسي، وأنا محرر علوم وتكنولوجيا أتعثر بالشعر كلما تحدثت، أو كتبت عن راشد. وقد كان كل شيء يغري بالشعر في مداخلة قدمتها عن بحثه "البعد العلمي في التراث الثقافي العربي بين التاريخ ونظرية المعرفة". فالمكان "قصر الحمراء" في مدينة غرناطة، والوقت صباح ربيعي في عام 1998، وعنوان المؤتمر الذي نظمته "جامعة برينستون" الأميركية، و"مجلس البحث العلمي" الإسباني "الإبداع الثقافي والتغيير الاجتماعي في المجتمعات العربية نهاية القرن". في ذلك الصباح الأندلسي فهمت أن البحث في تاريخ علوم العرب والمسلمين ليس هدفه التغني بالماضي، بل هو بوابتنا نحو المستقبل. فالعلوم أكثر من أي وقت مضى بلا حدود جغرافية أو تاريخية أو ثقافية، وهذه "أبستمولوجيا" أوضاع العلوم العالمية التي يكشف عنها راشد. فهو لا يؤرخ العلوم بالطريقة التقليدية زمانياً، بل معرفياً "أبستمولوجياً" متتبعاً سيادة طريقة تفكير معينة في العلوم، وراصداً تحولاتها، إذ تؤرخ نهاية حقبة وبداية مرحلة جديدة. في كتابه "رياضيات عمر الخيام"، نكتشف كيف كانت هندسة ديكارت في القرن السابع عشر "إكمالاً للتقليد الذي اختطه عمر الخيام، وشرف الدين الطوسي اللذان وضعا علومهما بالعربية في القرن الحادي عشر". وكان "اسم الوردة تاريخ الرياضيات والهندسة العربية" عنوان مقالة كتبتها عن راشد. استقيت العنوان من رواية "اسم الوردة" للأديب الإيطالي "أومبرتو إيكو"، لتصوير عمل راشد المثير والخطير في تحقيق مخطوطات مبعثرة في مكتبات حول العالم، والربط بين أجزائها، وحل ألغازها واستقصاء علاقات مؤلفيها وناسخيها، والكشف عن طمسها في شراك نُصبت حول تاريخ العلوم العربية منذ قرون. وطالما تخيلت أعمال راشد رواية تضيء الجانب الخفي لعلاقات ومراسلات العلماء، وترصد من خلال مصائرهم الشخصية كيف التقت وتزاوجت تيارات علمية كانت مستقلة قبل أن يبدأوا الربط بين نتائج تم التوصل إليها في أماكن أخرى، وتوسيعها ودمجها في بنى نظرية غالباً ما بدت غريبة عن حقولها الأصلية. بذلك "شملت النهضة العلمية جميع فروع المعرفة، وأصبح العلم جزءاً أساسياً من الثقافة العامة التي لم تكن قط دينية لغوية أدبية فقط". ويدعونا راشد في مقالة عن "الوطن العربي وتوطين العلم" أن نستمع إلى حلاق بغداد في "ألف ليلة وليلة"، وهو يقول: "ستجدني أحسن حلاق في بغداد، حكيم مجرب، وصيدلي عميق ومنّجم لا يخطئ، ضليع في النحو والبلاغة ومؤهل في العلوم الرياضية، في الهندسة والحساب وكل مسائل الجبر، أعرف تاريخ الممالك في العالم، وأعرف جميع أبواب الفلسفة"! ولا يخفي راشد هواه "التاريخي" بالعراق، ومقته للغزاة والخونة المتواطئين معهم. "بغداد كانت بمثابة كلمة السر لكل الذين ينشدون المعرفة، والمكانة الرفيعة". كتب ذلك عندما اكتشف مخطوطات عالم بغدادي من القرن العاشر الميلادي اسمه أبو العلاء بن سهل، الذي يمثل ذروة "درامية" في تاريخ العلوم العالمي. كان معاصرو ابن سهل الذي يجهله تاريخ العلوم العالمي "ينقلون عنه ويتوجهون له كلما استعصت عليهم مشكلة". عثر راشد على مخطوطتين فقط لابن سهل: "الالآت المحرقة" و"البرهان على أن الفلك ليس هو في غاية الصفاء". وكان ذلك كافياً للقضاء على مسلمات قائمة في تاريخ العلوم العالمية تربط قوانين مهمة في البصريات بالعالم والفيلسوف الفرنسي ديكارت، الذي جاء بعد ابن سهل بسبعة قرون. وراشد فيلسوف ومؤرخ علوم، ولد في القاهرة وحصل من جامعتها على ليسانس فلسفة، ونال من جامعة باريس دبلوماً في الرياضيات، ودكتوراه في تاريخ فلسفة الرياضيات، وعمل في التدريس والبحث في جامعات وأكاديميات عالمية عدة، ونال أوسمة وجوائز رفيعة، عربية وإسلامية وأجنبية، ليس بينها واحدة مصرية! وإذا كتبتُ رواية عن راشد سأبدؤها من مزرعته الصغيرة التي تبعد نحو ساعتين بالقطار عن باريس. فأجمل القصص في تاريخ العلوم والفلسفة العربية، وأتحدث عن تجربة تبدأ بصحن ملوخية تُُقطفُ وتُطبخ وتؤكل مع ثلاثة فلاسفة؛ راشد، وزوجته، مدرسة الفلسفة في مدرسة فرنسية، وابنه مروان، أستاذ الفلسفة في "المدرسة العليا لتخريج مدرسي الفلسفة" في باريس. ولعل أفضل عنوان للرواية: "رمضان كريم يا علوم العرب"!