منذ أن أدرك الأطباء قوة العلاقة بين الاختلالات في المادة الوراثية، وبين احتمالات الإصابة ببعض الأمراض، أصبح الفحص الوراثي من التدابير المهمة للممارسات الطبية الحديثة، وهو ما يتضح من تنوع المجالات، وتعدد الاستخدامات الطبية الحالية للفحص الوراثي أو الجيني، الذي إما أن يتم بشكل مباشر من خلال فحص التركيب الجزيئي للجين، أو بشكل غير مباشر من خلال فحص الإنزيمات والبروتينات التي يتم إنتاجها بناء على التعليمات الصادرة من الجين. ويعتبر المسح الطبي الوراثي للأطفال حديثي الولادة، للكشف المبكر عن الأمراض الوراثية القابلة للعلاج في مراحلها الأولية، من أكثر المجالات التي تستخدم فيها الفحوص الوراثية حاليّاً. فكل عام، يتم فحص الملايين من الأطفال بشكل روتيني للكشف عن إصابتهم بأمراض معينة، مثل كسل الغدة الدرقية، أو مرض "الفينايل -كيتون -يوريا" والذي يمكن أن يسبب تخلفاً عقليّاً دائماً للطفل، إذا لم يتم الكشف عنه وعلاجه مبكراً. ويمكن أيضاً استخدام هذا الأسلوب في التشخيص أثناء فترة الحمل، إذا ما كانت هناك أسباب تدعو الطبيب للشك في أن أن لدى الزوجين عوامل ترفع من احتمالات إصابة طفلهما باختلال وراثي، مثل العلاقة بين ارتفاع سن الأم واحتمالات إصابة الجنين بمتلازمة "داون"، التي كانت تعرف سابقاً بالعته المنغولي. ومؤخراً تم توسيع هذا الأسلوب ليشمل فحص الأجنة وراثيّاً، قبل زراعتها في رحم الأم، كجزء من الإخصاب أو التلقيح الخارجي، المعروف لدى العامة بأطفال الأنابيب. ويعتبر هذا المجال من أكثر مجالات الفحوص الوراثية إثارة للجدل، بناء على أن البعض يرى أن التخلص من الأجنة المعيبة وراثيّاً هو نوع من الإجهاض، كما أنه يفتح الباب على مصراعيه لاختيار جنس الجنين، ذكراً كان أم أنثى، وصفاته الوراثية المفضلة أيضاً، ضمن ما يعرف بأطفال الكتالوجات. وتستخدم الفحوص الوراثية أيضاً لتأكيد التشخيص، إذا ما شك الطبيب في الإصابة بمرض وراثي، بناء على الأعراض والعلامات التي يشكو منها المريض. ويمكن لهذا النوع من الفحوص أن يتم خلال أي من سنوات ومراحل العمر المختلفة، وإن كان لا يتوفر حاليّاً لجميع الجينات، ولا لجميع الأمراض التي يمكن أن تنتج عن الاختلالات الجينية. ويمكن أيضاً لهذه الفحوص أن تكشف ما إذا كان الشخص حاملا للمرض فقط، وهي الحالة التي يرث فيها الشخص جينات معيبة، يمكن أن يمررها إلى ذريته، ودون أن تظهر عليه هو نفسه أي من أعراض أو علامات المرض. ويعتبر هذا المجال ذا فائدة جمة، عند تطبيقه ضمن فحوص ما قبل الزواج لشخصين حاملين فقط للجينات المعيبة، وهو ما يزيد بدرجة كبيرة من احتمالات إصابة أطفالهما لاحقاً. ويعتبر أيضاً مجال الفحوص الاستشرافية، والتي تهدف لتوقع احتمالات إصابة الشخص بمرض ما في المستقبل، وقبل أن يظهر عليه أي من علامات أو أعراض المرض، من المجالات التي تشهد توسعاً في تطبيق الفحوص الوراثية، حيث تعتبر هذه الفحوص ذات قيمة خاصة للأشخاص الذين يوجد بين أفراد عائلتهم شخص مصاب بمرض وراثي، أو الذين تؤهلهم تركيبتهم الوراثية للإصابة ببعض الأمراض السرطانية. وأفضل مثال على ذلك، هو الجين المسؤول عن الإصابة بسرطان الثدي (BRCA1)، الذي يؤدي وجوده في المادة الوراثية للمرأة إلى تأثير تراكمي يزيد من احتمالات إصابتها بسرطان الثدي بنسبة 60 في المئة. ويمكن أيضاً استخدام هذا المفهوم، للتنبؤ باحتمالات الإصابة بحزمة متنوعة من الأمراض، مثل داء السكري، والتهابات المفاصل، والشلل الرعاش، وأمراض القلب والشرايين. ومثل هذا التطبيق الاستشرافي للفحوص الوراثية أدى إلى ظهور صناعة كاملة من الفحوص الوراثية الذاتية، التي يقوم فيها الشخص بشراء طاقم الفحص عن طريق الإنترنت من إحدى الشركات المتخصصة، ليضع فيه عينة من خلاياه، إما عن طريق البصق في أنبوب خاص، أو من خلال مسحة من جدار الفم من الداخل، ثم إرسالها إلى الشركة التي قامت ببيعه طاقم الاختبار من الأساس. ويقوم الفنيون في الشركة بتحليل عينات الخلايا المرسلة، لتقييم احتمالات إصابة الشخص بأكثر من تسعين مرضاً مختلفاً. ولكن مثل هذا الأسلوب يصطدم بمحاذير كثيرة، تجعله عديم الفائدة إلى حد كبير. بداية، لأن غالبية الأمراض الوراثية تنتج من تفاعل عدة جينات مع بعضها بعضاً، مما يجعل التنبؤ باحتمالات الإصابة بمرض أو آخر، أمراً صعباً للغاية، وغير دقيق، حاليّاً على الأقل. ثانيّاً إن مثل هذا الأسلوب، يتجاهل العوامل البيئية، وظروف ونمط حياة الشخص، فمن المعروف أن الغالبية العظمى من الأمراض تنتج من تفاعل الجينات مع العوامل البيئية والظروف المعيشية، مثل علاقة داء السكري بالوراثة، وبطبيعة الغذاء، ووزن الشخص في الوقت نفسه. وأخيراً، وعلى رغم أن مواقع الشركات التي تقدم هذه الخدمة على الإنترنت تحتوي على كم كبير من المعلومات عن الأمراض المرتبطة بالتركيبة الوراثية، إلا أن هذا الأسلوب يفتقد الاتصال الشخصي بين المريض وطبيبه، لمده بالنصيحة، وشرح النتائج بشكل مبسط، ومناقشة جميع العوامل التي يمكن أن تؤثر في احتمالات إصابته بهذا المرض أو ذاك. وهذه المحاذير وغيرها، أدت إلى تزايد المطالبات بضرورة تنظيم هذا القطاع، حتى لا يتحول فضول الكثيرين حول تركيبتهم الوراثية، إلى منجم ذهب للآخرين، يتربحون ويستفيدون منه ماليّاً، ودون أن يقدموا شيئاً ذا قيمة بالفعل للمرضى وللفضوليين منا.