في ظل التهديدات المحدقة بأمن الدول وسلامة المجتمع، سواء كان هذا المجتمع في الغرب أو في مناطق أخرى من العالم، يكتسي العمل الاستخباري وما يوفره من معلومات مهمة لأصحاب القرار أهمية قصوى، إذ على أساسها يمكن استباق الهجمات الإرهابية والتدخل في الوقت المناسب لتعطيل خطط الجماعات العنيفة، ومن ثم الحفاظ على أمن المجتمع وسلامته، وهذا الترابط القائم بين الاستخبارات والأمن من جهة وبين الدول ومسؤوليتها في حماية نفسها والمجتمع الذي تخدمه من جهة أخرى، يوضحه، ديفيد أوماند، المدير السابق لأعلى هيئة بريطانية تُعنى برصد المعلومات وجمعها المعروفة باسم "مقر الاتصالات الحكومية" في كتابه الذي نعرضه اليوم بعنوان "تأمين الدولة" الذي يسعى من خلاله إلى تبيان أهمية المعلومات الاستخبارية في عالم مضطرب، والحاجة إلى تعزيز التواصل بين مختلف الأجهزة الاستخبارية، فضلا عن تناوله لقضية التوازن المطلوب بين ضرورات الأمن وحماية الدول، وبين الحاجة إلى الحفاظ على الحريات العامة وعدم المساس بمكتسباتها. والحقيقة أن هذا الكتاب يأتي في وقته المناسب، لاسيما في بريطانيا التي يعاني فيها جهاز الاستخبارات وباقي أجهزة الضبط المعنية بتقديم المشورة ورفع التقارير والمعلومات إلى ذوي القرار، من تراجع كبير في المصداقية بعدما اتضح فشلها في التخطيط الجيد لحرب العراق، وبعدما أدى التحقيق في ملابسات الحرب ودوافعها الحقيقية إلى تزايد الشكوك حول مدى صدقية التقارير التي كانت تعدها أجهزة الدولة وخلطها بين المهنية المطلوبة وبين الاعتبارات السياسية وضغوط أصحاب القرار لتبرير الحرب. وقد كان لفشل أجهزة الاستخبارات في التحقق من امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، أو احتمال تواطئها المتعمد مع الخطط السياسية، دور في اهتزاز ثقة الجمهور في قدرة الدولة البريطانية على حماية مصالحها بدل الارتهان لأجندات سياسية خاصة. ويرى الكاتب أنه على رغم حالة الهدوء والسلم التي تخيم على الغرب عموماً، مع استبعاد تعرضه لغزو من قوى معادية، أو استهدافه بهجوم يهدد كيانه واستمراره في الوجود كما كان عليه الحال قبل عقود خلال الحرب العالمية الثانية، وما تلا ذلك من تهديد نووي من المعسكر الشرقي، إلا أن أخطاراً من نوع آخر ظهرت، على أيدي أطراف من غير الدول، ومع ذلك تتوافر على قدرات تدميرية كبيرة على رأسها الأخطار المرتبطة بالإرهاب العالمي، وبخاصة بعد هجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة. والسمة الأولى للإرهاب في عالم اليوم هي أنه لم يعد داخليّاً، بل أصبحت أذرعه قادرة على الوصول إلى عقر دار الغرب وهز استقراره من الداخل، فما قد يحدث في باكستان مثلاً يلقي بتأثيره الواضح على بريطانيا، كما أن الصراع في الشرق الأوسط يلهب حماس التطرف ويدفع المتشددين إلى استهداف الغرب. ويسهب الكاتب في التدليل على خطر الإرهاب بالإشارة إلى تنظيم "القاعدة" والمسار الذي اتخذه من جماعة صغيرة تحارب الروس في أفغانستان إلى تنظيم عالمي يحرك العديد من الخلايا النائمة في الكثير من البلدان. وعلى رغم الجهود التي تبذلها أجهزة الاستخبارات في استباق الهجمات الإرهابية من خلال رصد المعلومات والتدخل على أساسها يصعب تفادي جميع الضربات كما اتضح في الهجمات التي استهدفت لندن في عام 2007. ويزيد من تعقيد الوضع بالنسبة لأجهزة الاستخبارات ظهور بعد آخر في التهديد الإرهابي متمثل في الإرهاب الداخلي وتأثر عدد متنامٍ من الشباب البريطاني بالخطاب الراديكالي، وهو الأمر الذي يحتم على أجهزة الرصد والتقصي الرفع من درجة يقظتها ويلقي على عاتقها مسؤولية أكبر في جمع المعلومات واختراق الجماعات المتطرفة داخليّاً. والمؤلف الذي عمل طيلة الفترة بين 2002 و2005 كمنسق لأجهزة الاستخبارات البريطانية لا يحاول تبرير الأخطاء، أو تجنب الإشكالات المستعصية التي يثيرها العمل الاستخباري في علاقته بالحريات العامة وصيانة القيم الديمقراطية للمجتمعات الغربية، فهو من خلال كتابه هذا يوفر دليلاً مفيداً للسياسيين والدبلوماسيين والصحفيين لاستخلاص الدروس من تجربته على رأس مؤسسة استخبارية مهمة في بريطانيا، فالأمن بالنسبة له يبدأ بالاعتراف أولا بكونه حالة نفسية بقدر ما هو حالة موضوعية موجودة على أرض الواقع، وفي الوقت الذي يتعين فيه على الحكومات جميعاً بذل قصارى جهدها لحماية المجتمع وإظهار ذلك للرأي العام المتوجس والخائف، فإن عليها أيضا مصارحة الجمهور بحقيقة أن ليس كل التهديدات والأخطار يمكن درؤها دون التضييق ولو قليلا على القيم ذاتها التي تراد حمايتها، وهو ما يقود إلى جملة من الاستنتاجات المهمة، أولها الحاجة الملحة إلى عملية تواصلية تتسم بقدر كبير من الصدق والشفافية دون المبالغة في تهويل الخطر وإظهار أبعاده لأن ذلك قد يأتي بنتائج عكسية. وفي هذا السياق لا يحبذ الكاتب استخدام عبارة "الحرب على الإرهاب" في الخطاب الإعلامي والسياسي لما تنطوي عليه من نبرة توحي باستمرارية انعدام الأمن، ومن ثم تسويغ بعض الممارسات مثل التعذيب وتعليق الحريات العامة، لتبرز، حاجة أخرى، وهي الاستنتاج الثاني، لعمل أجهزة الاستخبارات ضمن إطار قانوني واضح يحدد مسؤولياتها ولكن دون تقييد يدها. غير أن احتمال وقوع هجمات بين الفينة والأخرى وضرورة التعامل الأمني مع التهديدات مما يحتم في رأي الكاتب ما هو أكبر من العمل المؤسسي كما تجسده أجهزة الاستخبارات، بل يتعداها إلى ما يسميه "المناعة الوطنية" التي تعني قدرة المجتمع على التحمل واستئناف الحياة الطبيعية بعد كل هجوم دون الارتهان للخوف والارتباك. زهير الكساب ------- الكتاب: تأمين الدولة المؤلف: ديفيد أوماند الناشر: جامعة كولومبيا تاريخ النشر: 2010