لا يشهد على العجز العربي عن إدارة ملف الصراع العربي- الإسرائيلي عامة والقضية الفلسطينية خاصة أكثر من تقاذف الكرة عبر الزمن بين "القرار العربي" و"القرار الفلسطيني" دون أن يتمكن أي منهما من إحراز أي هدف. وفي البدء، في مرحلة المد القومي كانت القضية الفلسطينية تحت الرعاية العربية بالكامل، وتحقق بعض الإنجازات التي كان من أهمها إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية في 1964، غير أن هزيمة 1967 غيرت الأمور على نحو جذري بعد أن تفرغت الدول العربية الفاعلة في الصراع لما يسمى بإزالة آثار العدوان. وبعد انتهاء مرحلة المد القومي عقب حرب أكتوبر 1973 بدأ رفع شعار أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وعلى رغم أن هذا الشعار كان يعني من جانب تكريس الهوية الفلسطينية إلا أنه من جانب آخر كان مدخلاً لنفض اليد العربية لمن يريد من القضية برمتها، وارتبط بهذا شعار أن العرب يوافقون على ما يوافق عليه الفلسطينيون ممثلين في منظمتهم. هذه هي الخلفية التي يمكن أن نفهم استناداً إليها الالتباس الحالي في الموقفين العربي والفلسطيني من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، فعلى رغم أن السياسة العربية المعلنة هي "نوافق على ما يوافق عليه الفلسطينيون" إلا أن العقم الذي أصاب عملية التسوية السلمية جعل السلطة الفلسطينية تجفل من تحمل مسؤولية القرار وحدها، ولذلك عادت تطالب من جديد بغطاء عربي للتفاوض مع إسرائيل، وكلما اتضحت مؤشرات العقم أكثر ازداد الحرج الفلسطيني والعربي، فالسلطة خاصة في إطار اعتراض الفصائل عدا "فتح" على مسلكها لا تريد تحمل مسؤولية التفاوض والاستمرار فيه وحدها. والدول العربية تعلم ألا جدوى من هذه اللعبة كلها، ولذلك فهي تتفنن في إخراج قراراتها بالموافقة على المفاوضات والاستمرار فيها. وعليه جاء القرار قبل الأخير للجنة متابعة مبادرة السلام العربية بفكرة القيد الزمني على المفاوضات غير المباشرة: أربعة شهور وإلا كان لكل حادث حديث، فلما انقضت هذه الشهور الأربعة وقع الجميع في مأزق. فلسطينيّاً لم يستطع الرئيس عباس أن يخفي حقيقة أن ما مضى من مفاوضات لم يفضِ إلى أي شيء يشجع على الدخول في مرحلة التفاوض المباشر، ومن الأهمية بمكان أن ندرك أن الرجل هو النصير الأول للتفاوض ليس في الجانب الفلسطيني فحسب ولكن ربما بين الأطراف العربية كافة، ولذلك فإن شهادته على إخفاق التفاوض غير المباشر ينبغي ألا تمر مرور الكرام. ولكن الرجل يواجه ضغوطاً بل تهديدات أميركية هائلة، وأحسب أنه يواجه أيضاً ضغوطاً من بعض الدول العربية للقبول بالمفاوضات المباشرة. وقد استخدم نتنياهو مرة تعبيراً سخيفاً أشار فيه إلى أن الرئيس الفلسطيني قد تسلق شجرة، ولا يعرف كيف ينزل منها، وكان يرمز بهذه الشجرة إلى "التشدد الفلسطيني"!، غير أن هذا المثال يمكن أن يستخدم الآن بحيث ترمز الشجرة إلى العملية التفاوضية، فالرئيس الفلسطيني صاحب موقف واضح من هذه العملية مؤداه أنها الآلية الوحيدة للحل، ولكنه الآن هو نفسه يريد أن ينزل من على الشجرة بعد أن أدرك أبعاد اللعبة العقيمة من خلال عملية ما سمي بالتفاوض غير المباشر وما قبلها، ومع ذلك فلا الطرف الأميركي يمكنه من هذا ولا الطرف العربي كذلك، فالرئيس أوباما فيما أسماه بعض العرب للأسف رسالة ضمانات أو تطمينات يهدده تهديداً سافراً بفقدان كل شيء إن رفض الدخول في المفاوضات المباشرة، بينما لا يعده بالمقابل بأي شيء اللهم إلا ذلك التقليد في جولات التفاوض السابقة، وهو الوعد بأن تكون القضايا الكبرى كالحدود والقدس والمستوطنات "موضوعاً للتفاوض". أما الطرف العربي فقد أصابه فيما يبدو ارتباك شديد بسبب الإصرار الأميركي على ضرورة دخول السلطة الفلسطينية في المفاوضات المباشرة، لأنه يدرك من جانب أن الخطوة غير مبررة من منظور الشرط العربي السابق (أن يكون الانتقال إلى التفاوض المباشر بناءً على ما يتحقق من إنجاز في عملية التفاوض غير المباشر)، فضلاً عن أن هذه الخطوة ستغضب الجانب الأميركي. ولذلك أصاب الالتباس الاجتماع الأخير للجنة متابعة مبادرة السلام العربية، فقد منحت الرئيس الفلسطيني تفويضاً بالدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، ولكنها شددت على ضرورة توافر متطلبات بدئها! تاركة للرئيس الفلسطيني تحديد بدء انطلاقها، فيما يشبه العودة إلى "فلسطينية القرار" وليس "عربيته"، كما أرسلت اللجنة خطاباً للرئيس الأميركي يتضمن شرحاً للموقف العربي، والأسس والثوابت التي يجب توافرها في عملية السلام، وهي تعلم دون شك أن الرئيس الأميركي يعرف الموقف العربي جيداً، وأنه لن يلتفت في كثير إلى أسس العرب وثوابتهم. ويبدو أن إحساس اللجنة بدقة موقفها كان طاغيّاً، ولذلك قدمت مبررات أشبه بالاعتذار "عما بدر منها"، فهذا مسؤول عربي رفيع يقول إن "التغير في الموقف جاء بسبب الوضع العربي، والوضع الذي يحيط بالدول العربية"! وهو اعتراف بأن قرار اللجنة صعب، ولكنه يعود بدوره إلى ضعف الموقف العربي. وذلك مسؤول عربي رفيع آخر يتحدث عن رسالة أوباما وضماناته في تفسير ما ذهبت إليه اللجنة. والحق أن قراءة هذه الرسالة تشير إلى أنها رسالة تهديدات أولاً وأخيراً تحذر الفلسطينيين من رفض الدخول في المفاوضات المباشرة، ولا تعدهم بأي شيء في المقابل اللهم إلا المساعدة في إقامة الدولة الفلسطينية التي لا ندري أي ملامح لها، وتمديد تجميد الاستيطان (علماً بأن نتنياهو أكد غير مرة أن هذا غير ممكن لأنه يعني انهيار ائتلافه الحكومي)، وبأن المفاوضات "ستتعامل" مع الأراضي المحتلة لعام 1967، وأنها ستشمل القدس الشرقية، والأعجب أن الرسالة تشدد على رفض التوجه إلى الأمم المتحدة كبديل للتفاوض المباشر في إشارة إلى اقتراح الأمين العام للجامعة العربية في شأن العودة لمجلس الأمن لتحديد مرجعية المفاوضات. وقد يختلف المرء مع الرئيس الفلسطيني في توجهاته ورؤاه لإدارة الصراع، ولكن الرجل أكد بسلوكه غير ما مرة أنه يفعل هذا من باب الاقتناع بجدوى هذه التوجهات والرؤى، وقد وصل الآن وفقاً لمواقفه التي عبر عنها في أكثر من مناسبة إلى اعتقاد جازم بعقم هذه المفاوضات، ولذلك فأمامه فرصة تاريخية في أن يرفض التفاوض، وسيرى بنفسه ومعه الفلسطينيون والعرب كيف يمكن لهذا القرار أن يحدث زلزالاً سياسيّاً في المنطقة لن يخشى الفلسطينيون منه شيئاً، لأن كافة أشكال الكوارث قد طالتهم دون أن يدفعها عنهم أحد، فإن لم يفعل يستطيع أن يحدد رؤيته المعتدلة للتسوية، وأن يطالب الجانب الإسرائيلي قبل بدء المفاوضات بأن يحدد رؤيته بدوره، لأن هذا كفيل بفضح عبثية نتنياهو. ويستطيع الرئيس الفلسطيني أيضاً أن يطالب ببساطة بالعودة إلى "اتفاقية أوسلو"، وهي اتفاقية ملزمة لإسرائيل شاءت أم أبت، ومن شأنها أن تحرك الوضع الراهن على نحو أفضل بكثير مما هو عليه الآن. يستطيع أن يفعل هذا وأشياء أخرى كثيرة بشرط أن يتخلص هو والقادة العرب من الاعتقاد بأن إلقاء حجر -أي حجر- في المياه الراكدة سيكون بداية لزلزال يعصف بنا، فواقع الأمر أن تداعيات هذا الزلزال ستصيب إسرائيل قبل أي طرف آخر.